الإلحاد وحقيقته

تحليل مقولة ( نسبية الحقيقة ) -1

 

. سنبدأ -إن شاء الله- في مناقشة بعض المقولات الرئيسة لدى الشباب المتأثرين بالأفكار الإلحادية أو (اللادينية) بصورة عامة، وهذه المناقشات أرجو أن يكون فيها بعض الفائدة لكل والد ومعلم وصديق وقريب يريد أن يناقش هذه المقولات مع ابنه أو تلميذه أو رفيقه أو بعض أقاربه .

 

.. واخترت أن أقوم أولاً بفحص نقدي لمقولة مشهورة ومتداولة هي ( نسبية الحقيقة ) سأخضعها للتشريح النقدي في حلقات ، لكنني سأشرع في البداية في تفكيك المقولة وتحليلها، والنظر إليها بطريقة إعادة التركيب، كي نقارب الوضوح في تصور معناها، مبيناً ما تنطوي عليه من غموض وتعميم ، يؤديان إلى تقليل الثقة بها، ثم إعادة صياغتها لتكون أقرب للدقة العلمية .

 


 

.. الوقفة الأولى : معنى نسبية الحقيقة :

 


 

.. نص المقولة (نسبيةُ الحقيقةِ) أو (الحقيقةُ نسبيةٌ) ، وهي بهذه الصيغة أو تلك تؤدي إلى أن (كل) الحقائق بلا استثناء نسبية وليست مطلقة، وهذا يعني أن كل الحقائق بدون استثناء هي عرضة إلى أن تختلف من شخص لآخر أو من جماعة إلى أخرى، أو تتغير باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا توجد حقائق يمكن أن يتفق عليها البشر .

 


 

.. ولهذا يؤكد “المعجم الفلسفي” الصادر من مجمع اللغة العربية والذي أشرف عليه نخبة من أساتذة الفلسفة على أن مذهب النسبية: ( مذهب يرى أن المعارف والقيم الإنسانية ليست مطلقة، بل تختلف باختلاف الظروف والإعتبارات) ثم ينتقل “المعجم” إلى تعريف النسبية الأخلاقية بأنها: (القول بأن فكرة الخير والشر تختلف باختلاف الأزمان والجماعات ) .

 


 

.. وبلا شك أن المقولة بهذا الإطلاق والتعميم غير مقبولة إسلامياً ، وهذا ما سنوضحه في حلقة قادمة -إن شاء الله- .

 


 

الوقفة الثانية : ما المقصود بالحقيقة ؟ ..

 


 


 

.. الحقيقة تُستعمل مقابل الباطل ، ويُعرّفها الأكثرون بأنها : كل معرفة مطابقة للواقع.

 


 

.. وتتميز الحقيقة عن غيرها وتُعرف بأحد معيارين :

 


 

.. (1) الصدق.

 


 

.. (2) الصواب = الصحة .

 


 

.. فلا يمكن أن تكون أي معرفة حقيقية إلا إذا تحقق فيها الصدق والصحة، وعليه فهي تتنافى بالضرورة مع الكذب أوالخطأ ، وهنا يجب التشديد على أهمية معرفة أن الحقيقة هي الصدق والصواب، فالذي يبحث عن الحقيقة هو باحث عن المعرفة الصحيحة الصادقة المطابقة للواقع .

 


 

.. فالقائل بأن كل الحقائق نسبية، يلزمه أن يقول: لا يمكن أن تكون قيمة الصدق محل اتفاق البشر، ولا يمكن معرفة أي صواب مهما قل يمكن أن يتفق عليه بنو آدم، وعليه فليس هناك أي معارف صحيحة بلا خلاف، أو لا توجد قوانين علمية فيزيائية وهندسية ورياضية صحيحة سالمة من الخطأ .

 


 

.. وفي ظني أن هذا يشكل مأزقاً كبيراً لأي إنسان يقضي سنوات من عمره، يزعم أنه يبحث عن الحقيقة باعتبارها ممثلة لقيمتي الصدق والصواب، وفي الوقت نفسه يعيد ويكرر يومياً مقولة: الحقيقة نسبية ، ولهذا لمست لدى بعض الشباب الذين حاورتهم قلقاً وتشتتاً فكرياً؛ لأنهم يتبنون مقولة مطلقة (البحث عن الحقيقة في الوجود)، وفي الوقت ذاته يعتنقون في ممارساتهم النقاشية مقولة (نسبية الحقيقة)، ووجه التناقض أن ما تبحث عنه (حقائق مطلقة تتسم بالصدق والصحة) ووسيلتك في ذلك لا تنسجم أو تتسق مع الغاية نفسها، وهنا مكمن تهافت منهجهم الفكري وتناقضه مما انتهى بهم إلى قلق دائم وفوضى فكرية وتسليم بفشل القدرات الإنسانية في الوصول إلى الطمأنينة القلبية .

 

 

.. وحتى نقترب من مفهوم الحقيقة أكثر لتستبين لنا الصورة بطريقة تضمن لنا الوضوح، سنحاول أن نفتش عن ألفاظ تدنو منها وذات صلة بها، وهذه طريقتي عندما أتناول أي مسألة تحتاج للوضوح، وقد شرحت سبب هذه الطريقة وفائدتها في محاضرتي المرئية (عادات المفكّرين في بناء الفكر ).

 


 

.. وتنفيذاً لذلك أقول على سبيل المثال :

 


 

.. ــ مفهوم العلم، ومن المؤكد أن الحقيقة ذات صلة بالعلم ، فلا يمكن تصور حقيقة ليست معلومة أو لا تتصل بقواعد العلم ومناهجه .

 


 

.. ــ مفهوم المعرفة، ومن المقبول عقلاً أن الحقيقة هي في جوهرها معرفة، ولذلك يحتاج تصورنا عن الحقيقة أن نلم جيداً بنظرية المعرفة أو تخصص الابستمولوجيا .

 


 

.. ــ مفهوم الموضوعية، وبلا شك أن الحقيقة لابد أن تكون موضوعية ، وليست ذاتية شخصية تتغير بتغير انطباعات الإنسان وتحيزاته وميوله، ولهذا من المهم أن نلم بقضايا الموضوعية المنهجية ومشكلات التحيز في المناهج البحثية .

 

.. ــ مفهوم الحتمية، وهذا يتضح بالجواب عن هذا السؤال: هل بالضرورة كل حقيقة هي كالقانون الحتمي، أما أن هناك من القوانين ما يخضع لمبدأ الحرية لا الحتمية، وما علاقة ذلك بالحقيقة؟

 


 

.. المفاهيم السابقة مجرد أمثلة، ومن أراد أن يفهم مقولة (نسبية الحقيقة) فعليه أن يجري موازنة (مقارنة) بينها وبين هذه المعاني أو غيرها، ثم يقوم بأسلوب تبادل الأدوار، فيخضع المقولة لبعض التقسيمات والتفصيلات الموجودة في المعاني الآنفة؛ لمصلحة الفهم والوضوح والتعمق في معرفة الفروق وجوانب التمايز والاختلاف، وبذلك سيرى المقولة الأصلية محل الفحص في أكثر من صور مختلفة ومن زاويا متعددة، وكأن هذه العملية أشبه بتشريح للمقولة في مختبر الأفكار ورؤيتها في حالة حركة وتغير وصعود وهبوط ، وقرب وبعد، وليس في حالة سكون وغموض وجمود.

 


 

.. ومثال على الاقتراب المفيد، سنقوم بمقايسة الحقيقة بالعلم مثلاً، وهو مفهوم يقترب من الحقيقة كثيراً .

 


 

.. العلم دائماً وأبداً مرتبط بالدليل، ولذلك فما المانع أن تكون الحقيقة أيضاً مقترنة بالدليل ولا بُدّ ؟ وبما أن العلم يتبع دليله ، لذا هو ينقسم إلى قسمين :

 

 

.. (1) قطعي يقيني لا يقبل الشك .

 


 

.. (2) ظني احتمالي يدخله الترجيح لوقوع الاختلاف وتعدد الآراء والاجتهادات .

 


 

.. فهل الحقيقة في المقولة محل الفحص هي يقينية أو احتمالية، أو تشملهما؟

 


 

.. الإجمال والغموض في المقولة يجعلنا نرجح أنها تشمل الأمرين معاً، وهذا من عيوبها ؛ لأنها لم تفرق بين حقائق مبرهن عليها تحظى بقبول إجماع البشر إلا ما ندر ، وحقائق احتمالية محل اختلاف قوي ، ومدار ذلك – أي الحقيقة المبرهن عليها والحقيقة المحتملة – على قوة الدليل ومدى ظهوره ووضوحه ؛ لأن العلم في بعض تعريفاته المهمة : ما قام عليه الدليل .

 


 

.. ويمكن القول: إن كل ” حقيقة ” لا تستحق لقبها ؛ إلا بدليل يبين أنها حقيقة فعلاً ، فهي في حاجة مستمرة وافتقار دائم إلى دليل يُبينها ويؤكد استحقاقها لمعناها، والأدلة والبراهين كما هو معلوم منها اليقيني والظني، وإذا كانت المسألة مرتبطة بالدليل ونوعيته، تبين بذلك مدى الارتباط بينهما، إذ لا يمكن تصور حقيقة مجردة هكذا دون اقترانها بدليل يصاحب ثبوتها، والأدلة العلمية لا يمكن القول أنها بأجمعها على مستوى واحد من القوة ، أو على نوع واحد، فهناك أدلة تجريبية تثبت بالتجربة، وأدلة حسية تشاهد بالحواس، وأدلة عقلية مجردة يدخل فيها ما يمكن تسميته بالحدس والإحساس الشعوري والاستبصار القلبي القوي، وأدلة نقلية تثبت بالنصوص وهذه خاصة بمن آمن بالوحي الإلهي وأثبت صدق النبوات .

 


 

.. وكل ما تقدم يُغفله أكثرية المتبنين للمقولة الآنفة في ظاهر منطوقهم، وكأنهم قد جمدوا على ظاهرها فقط دون تحليلها، فقد يقبل الإنسان دليلاً ظنياً ثم مع الوقت تتكاثر الأدلة وتتكاتف فترتفع إلى درجة اليقين أو إلى مستوى مرتفع من الاحتمالية القوية تصل إلى نسبة مئوية مرتفعة جداً من الصدق الظاهري والباطني والدقة التجريبية ، فتصبح تلك الحقيقة النسبية في حالة تصديق مرتفع متطور القوة والثبوت .

 

.. وقد يكتفي بعض الناس بدليل فيرونه يقيناً قطعياً ويراه آخرون ظنياً ، فالحقيقة في ذاتها لم تتغير ، إنما علم الإنسان وإدراكه للأمور هو الذي اختلف ولذلك هو النسبي في الحقيقة .

 

. ولنأخذ مثالاً على ذلك فكرة “العدل” فما من أمة على وجه الأرض حتى لو كانت من القبائل البدائية إلا وقيمة “العدل” موجودة في فكرها وثقافتها وسلوكياتها، فالقيمة نفسها أي “العدل” هي في حد ذاتها مطلقة ، لكن تطبيقات العدل لدى الأمم والشعوب مختلفة ، فمثلاً قاعدة أن من خالف نظام الدولة أو الجماعة وقوانينها تجب معاقبته، تجدها حقيقة تستمد قوتها من قيمة العدل، لكن فهم الناس وتطبيقاتهم مختلفة، فقد تكون جريمة التهريب لبعض البضائع الممنوعة، تستحق القتل لدى أمة، وفي أمة أخرى تستحق السجن لسنوات، وفي أمة ثالثة ربما حكموا بشيء آخر أخف بكثير كالتعويض المادي، وفي أمة رابعة ربما تجد تلك البضائع من حيث الأصل مباحة وليست ممنوعة، فالنظر إلى سياقات التطبيقات المختلفة قد تقودك إلى القول بنسبية العدالة وبنسبية قاعدة تجريم مخالفة القوانين المتفق عليها بين الجماعات، لكن عندما تنظر إلى أصل قيمة العدل كفكرة مجردة ، سينتقل نظرك من النسبي إلى التأمل في المطلق، وقل مثل ذلك في “تحريم الزواج بالأمهات” ستجد أنه موجود حتى لدى الأمم البدائية كما ذكر ذلك علماء الأنثروبولوجيا ، ولكن الأمم والشعوب تختلف في تطبيقها فمثلا هل تدخل الأم بالرضاعة في ذلك التحريم ؟ وهل تدخل بعض أنواع الجدات ؟

 


 

.. ولا يوجد استثناء في أصل فكرة تحريم الزواج بالأمهات ، إلا ما ذكره عدد قليل من المختصين في الأنثروبولوجيا بأنه توجد بعض القبائل البدائية تجيز ذلك، مع أن ذلك من النادر جداً ، بل وثبوته علمياً من حيث الأصل محل نظر .

 


 

.. أقول: وبناء عليه لا يمكن أن نسقط قوة هذه الحقيقة المطلقة ( تحريم الزواج بالأمهات لدى البشر ) لوجود مثال مخالف يذكره قلة من العلماء المخالفين، والحالة الاستثنائية المذكورة نادرة جدا، والأدلة على تحققها ليست بذاك القوة ، أؤكد: لا يمكن أن أسقط حقيقة مطلقة كتلك الحقيقة الشائعة في كل الأمم والشعوب، بنموذج غاية في الندرة مع ضعف ثبوته، ولو عممت هذا المبدأ أن كل استثناء يُسقط القاعدة بأكملها ويجعلها من قبيل النسبي، ستضطرب كل القوانين العلمية والاجتماعية وتتلاشى أهميتها، والأدق علمياً أن أثبت أن قاعدة تحريم الأمهات مطلقة لدى البشر، والاستثناء المذكور إن ثبت مع ندرته يؤكد ثبوت القاعدة ودقة تعميمها لا ينفيها، فمن غير المقبول عقلاً أن أهمل 99% من صحة الإطلاق والتعميم بناء على شذوذ 1 %، فأجعل الشاذ سبباً في نفي صدق وصحة القاعدة المطلقة ، هذا خلل في التفكير ظاهر وانتهاك للمنهج العلمي وروحه الموضوعية الدقيقة .

 


 

.. إن مقولة (نسبية الحقيقة) لا تتبنى أن هناك حقائق مطلقة في ذاتها كما ظهر لي من تصرفات القائلين بها ، ولذا لم تركز على نقطة جوهرية وهي أن هناك فرقاً مهماً : بين محدودية القدرات البشرية التي تجعل الحقيقة نسبية بالنظر إليهم ، وبين بعض الحقائق في ذاتها ، كما شرحناه في المثالين السابقين .

 


 

.. لقد أغفلت المقولة هذا التفصيل مع أنه مهم جداً في التمييز بين تباين الناس في إدراك الحقيقة وتعاطيهم معها ، وبين الحقيقة في ذاتها ، وهذا أشبه بالاختلاف بين غايات ثابتة ووسائل متغيرة ، فالمقولة كما يظهر من تصرفات المتحمسين لها ؛ خلطت بين الأمرين ، وجعلت الكل مشمولاً بالنسبية ، ولهذا نقول : الصدق في حد ذاته ممدوح ومطلوب وهو قيمة عليا لدى كل البشر ، والعدل في حد ذاته كذلك ، وكذلك قيمة الصواب والصحة والدقة مقابل الخطأ هي في حد ذاته قيمة عليا مطلوبة ، أما وسائل تحقيق تلك القيم وغيرها فهي نسبية باعتبار اختلاف الثقافات البشرية ومرجعياتها العليا التي تشكل أطرها المعرفية العامة .

 


 

.. ولعلي أقرب المعنى أكثر خاصة لدارسي الثقافة الإسلامية فأقول : الإيمان يعني اليقين في ذاته ؛ لكنه مع ذلك يقبل الزيادة والنقصان في قلوب المؤمنين ، في حركة ديناميكية دائبة تؤثر فيه الطاعات فتزيده ، وتخدشه المعاصي فتنقصه ، فلاحظ الفرق بين أصل الإيمان في ذاته ، وزيادته ونقصانه بالنظر للمؤمن نفسه واختلاف أحواله ، ومن الخطأ أن يقال بناء على ذلك : الإيمان يخضع للنسبية .

 


 

.. ولهذا أيضاً قال العلماء : إن اليقين على ثلاث مراتب : علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين ، وهذا التنوع لا يؤثر في اليقين ذاته ويجعله نسبياً ، وإنما في درجات قوته لدى الإنسان ومدى اقترابه من كل درجة .

 


 

.. وكل هذه التفصيلات المهمة السابقة ، لا نجد لها أي ذكر عند الكلام عن (نسبية الحقيقة) ودرجاتها ومراتبها ، وفي ظني أنه لن يرتفع الغموض عن المقولة ، إلا بمثل هذه الموازنات والمقايسات رغبة في مزيد من الفهم والتجلية .:

 


 

.. الوقفة الثالثة : المقولة بين التعميم والتخصيص .

 


 

.. ننتقل الآن إلى تفكيك المقولة وإعادة تركيبها بصيغ أخرى فهذا مفيد في التفكير والفهم .

 


 

فهي وفق صياغتها المتداولة تدل على أن الحقيقة أي حقيقة كانت لابد أن تكون نسبية ، والألف واللام في كلمة (الحقيقة) تفيد الاستغراق والتعميم ، ونتيجة ذلك أن المقولة لا تتحدث عن وجود (( بعض )) الحقائق النسبية الخاضعة للتغير أوالتطور ، ولو كانت تقول ذلك للزم منها أنها تعترف بوجود بعض الحقائق المطلقة على الأقل ، ولأصبحت المقولة أقرب للدقة العلمية في ظننا ، إذ من المؤكد أن هناك حقائق متغيرة كما سنوضحه إن شاء الله فيما بعد .

 

 

.. كذلك المقولة لا تُقيّد الحقيقة أو تحددها بصفة ، كأن تقول : الحقيقة الرياضية نسبة للرياضيات، أو الحقيقة العلمية أو الحقيقة الدينية أو الحقيقة الهندسية، ولو قيد المدافعون عن نسبية الحقيقة حقيقتهم ؛ لظهر لهم الخلل في إطلاق مقولتهم ؛ لأن كل مجال له إطاره المعرفي المرجعي وقوانينه ومبادئه الخاصة، فالحقائق الرياضية الأولية مثلاً مطلقة لا تختلف زماناً ولا مكاناً ، فالعدد ثلاثة أكثر من الواحد ، والجزء أصغر من الكل ، فهذه الحقائق لا تقبل النسبية باختلاف الأشخاص أو الجماعات أو العصور والثقافات .

 


 

.. ولذلك نجد أن بعض الاستعمالات المتفرعة عن المقولة تتنوع فمثلاً يقال : النسبية المعرفية ، والنسبية الثقافية ، وغير ذلك ، الذي يهمنا شد الانتباه إلى عمومية الإطلاق في مقولة (نسبية الحقيقة) وأن هذا التعميم كان من الممكن أن يخصص ببعض الحقائق أو أكثرها ، وكان من الممكن أن يقيد بإضافة الحقيقة وتقييدها ببعض الصفات كما سلف ، فيميز بين حقيقية في علم الرياضيات ، وحقيقة في علم الاجتماع مثلاً ، تجنباً للوقوع في فخ خطير هو التعميم ، وهذا عيب منهجي ظاهر للعيان .:

 


 

.. وخلاصة هذا التحليل الموجز أن مقولة (نسبية الحقيقة) تتسم بعيبين منهجيين يهزان الثقة بها :

 


 

.. الأول: أنها غامضة بسبب إجمالها وابتعادها عن التفصيل ، فهي لا تميز بين حقيقة تستند إلى دليل ثابت يمكن أن يكون مطلقاً ، وحقيقة تستند إلى دليل ظني يخضع لنسبية البشر ، وإذا تعاملنا مع المقولة نفسها على أنها “حقيقة ” فسنجدها تفتقر لمعيار مهم من معايير الحقيقة وهو الوضوح ، مما يخفض مستوى الثقة بها ؛ لأن الحقيقة الصادقة الصحيحة يجب أن تتسم بالوضوح وصحة التطبيق وسلامته ، وهذا ما لم يتحقق في حقيقة (نسبية الحقيقة).

 


 

.. الثاني: أنها وقعت في فخ التعميم الجائر ، فلم تخصص نفسها مثلاً فتقول : (أكثر الحقائق نسبية ) ، وتترك المجال مفتوحاً لمساحة معقولة من احتمالية وجود حقائق مطلقة كالحقائق الرياضية الأولية المتفق عليها على سبيل المثال .

 


 

.. والذي أنتهي إليه أن المقولة في حد ذاتها غير دقيقة أي لا تتصف بالصدق المطابق للواقع ، وتعاني من خطأ في تركيبها وصياغتها – أعني التعميم – مما يؤثر على صحة تطبيقها .

 


 

.. وفي المقال القادم -إن شاء الله- سأجعل مبدأ الدحض الذاتي يحاكم (نسبية الحقيقة) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى