شبهات حول الإسلام

مناصب الدولة مع أهل الذمة

 

رد من الشيح محمد الغزالى في كتابه ” التعصب والتسامح ” علي أحد الكتاب قوله: إن الخلافة الإسلامية لم تمنح أهل الذمة الحقوق السياسية، مستشهدا بإقالة بعض النصارى من مناصبهم بينما يوضح الشيخ الأسباب التي أدت إلي إقالة هؤلاء معطيا تفاصيل دقيقة عن المظالم التي ارتكبوها.

قال الخواجة الكذوب تحت عنوان “عدم منح أهل الذمة الانخراط فى خدمة المسلمين” أهملت شروط  عمر نقطة فى غاية الأهمية . وهى هل يستطيع المسلمون استخدام المسيحيين فى أعمالهم؟ . لا شك أن الخليفة لما رأى القرآن أجاب على هذه المسألة بالنفى , أهمل ذكرها من جديد , وتمسك بتعاليم القرآن طول مدة خلافته .- ص 55 .
ثم ذكر المؤلف قصة نقاش دار بين عمر بن الخطاب  وأبى موسى الأشعرى. وقصتين أخريين قال : إنهما حدثتا بين عمر بن الخطاب وأبى موسى الأشعرى. وقصتين أخريين قال : إنهما حدثتا بين عمر وبعض قواده . ورابعة حدثت بين عمر ومعاوية. وتتضافر القصص التى ذكرها المؤلف على نسبة أمر واحد لعمر: هو أنه رفض استخدام الذميين لأن القرآن أمر بذلك ! والمؤلف هنا يخرج من فرية ليدخل فى أخرى . فليست هناك شروط لعمر على النحو الذى ذكره . ولم يحرم القرآن استخدام أهل الكتاب فى الأعمال التى يصلحون لها . وجميع الآيات التى ذكرها فى منابذة اليهود والنصارى مبتوتة الصلة بهذا الموضوع كما أسلفنا . وجميع القصص التى ذكرها مكذوبة على عمر وقادته وصحبه ! وربما منع عمر توظيف نفر من أهل الكتاب لتهم خاصة،كثبوت الرشوة عليهم مثلا , أو إضرارهم بالمناصب التى يتولونها. وهذا المنع عدالة تطبق على المسلمين واليهود والنصارى جميعا .

ولكن الخواجة يفتري على كتاب الله ما ليس فيه , وعلى الحكم الإسلامى ما ليس من طبيعته . والواقع أن الإسلام ينظر إلى من عاهدهم من اليهود والنصارى على أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو من ناحية الجنسية مسلمين, فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات , وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم , وعباداتهم وأحوالهم الخاصة . ومن اليهود والنصارى لا يقدرون هذا النبل . وربما استغلوا هذه السماحة فى الإساءة إلى الدين الذى وسعتهم دائرته المرنة . وإلى القارىء الشواهد المبينة على صدق ما أسلفنا:

روى الطبرانى عن كعب بن عجرة أنه اشتغل عند يهودى، فسقى له إبله كل دلو بتمرة , وأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فما أنكر عليه شيئا .

وروى أبو يعلى مثل ذلك عن علي بن أبى طالب.

وقد استخدم النبى فى هجرته قائدا مشركا .

ولما فتح المسلمون الأوائل أقطار الدنيا المعروفة يومئذ أبقوا الموظفين فى أعمالهم الأولى , فلم يكرهوا أحدا منهم على الإسلام , ولم يفصلوا رجلا عن عمله بكفران . قال الدكتور “ترتون” :”.. كانت عادة الحكومة قد جرت على استعمال النصارى الذين قلما خلا منهم ديوان من دواوين الدولة . ونلاحظ فى سنة 253 هـ وجود إيصال ضريبة باللغتين العربية واليونانية . وقد استعملت اللغة العربية لأول مرة فى أعمال الحكومة بأصفهـان زمن أبي مسلم.

كما أننا نرى رجلا مسيحيا يتولى إدارة السجن قريبا من الكوفة سنة 26 هـ وقت أن كان الوليد بن عقبة عاملا عليها .

ولما تم للعرب فتح مصر أبقوا من فيها من العمال البيزنطيين.

وقد أسرف الحكام المسلمون فى استخدام أبناء الديانات الأخرى واستغلوا سماحة الإسلام فى معاملته لأهل الذمة استغلالا جعل أحد الشعراء يقول ـ منددا بعلو المنزلة التى وصل إليها اليهود ـ :

يهود هذا الزمان قد بلغوا غايـة آمالهم وقد ملكـوا
العز فيهم , والمال عندهمو ومنهمو المستشار والملك
يا أهل مصر إنى قد نصحت لكم تهودوا قد تهود الفلك

ويبدو أن الموظفين من اليهود والنصارى خانوا الأعمال التى وكلت إليهم , وانتهزوا فرصة توليهم المناصب الهامة , لخدمة الطوائف التى انحدروا منها , وإهانة جمهور المسلمين .! وقد استقرأنا أحوال كثير من أولئك الموظفين , فوجدناهم يكيدون للدولة التى ائتمنتهم , والأمة التى احترمتهم .

والأساس الذى تدور عليه معاملة أتباع الديانات الأخرى يختلف فى المسيحية عنه فى الإسلام . فبينما يقبل المسلمون وجود أديان مغايرة لدينهم , ويرفضون إكراه أحد على ترك ملته , ويرضون أن يتألف المجتمع من مسلمين وغير مسلمين , ويشرعون نظمأ عادلة لتطبق عليهم وعلى من فى ذمتهم من مسيحيين أو يهود . بينما نفعل ذلك ، نرى المسيحية تتبرم بالديانات الأخرى , وترسم سياستها الظاهرة والباطنة لإبادة خصومها أو تحقيرهم وحرمانهم حتى ترغمهم على ترك دينهم , وتجبرهم على النصرانية جبرا

وبينما يقول القرآن “لا إكراه في الدين” تنسب الكتب المقدسة إلى المسيح أنه قال لحوارييه : “أجبروهم على اعتناق دينكم” ! وقد نشأ عن هذا التفاوت بين المبدأين أن حركات التنصير ٬ أو التحريق والاستئصال ٬ كانت ظواهر عامة فى تاريخ المسيحية . ولا يتصور ـ بداهة ـ فى قوم تلك أحوالهم أن يوظفوا فى حكمهم يهوديا أو مسلما . أما الإسلام فلا تعرف فى تاريخه هذه الفوضى ٬ ولا تعتبر له سياسة عامة ولا خاصة . واستعمال اليهود والنصارى في الوظائف الكبيرة والصغيرة أمر شائع فى بلاد الإسلام إلى هذا العصر . أما التعصب المسيحى فهو لم يتجه إلى اضطهاد أهل الأديان الأخرى فحسب٬ وإلى تحريم الوظائف الجليلة والتافهة عليهم . بل إن أتباع المذهب المسيحي الواحد يحرمون أن يلي عملا بينهم صاحب مذهب مسيحى آخر . وقد حدث فى القرن الثامن عشر أن قتل محام بروتستانتى لأن القانون الفرنسي يومئذ يحظر مهنة المحاماة على البروتستانت !! وقد حار هذا الحقوقى البائس بين التعطل والارتداد عن مذهبه إلى الكاثوليكية ليستطيع العمل فى مهنته . ماذا يصنع؟ أيترك عقيدته ابتغاء الرزق . ولكن ارتداده يثير عليه أسرته المتعصبة !! ثم انتهت هذه الحيرة بمقتله ٬ واتهم أبوه باغتياله فأعدم ! وقيل : إنه انتحر يأسا ٬ وإن أباه لم يقتله تعصبا وتعرف هذه القصة “بمأساة كالا”.

ووقعت فى العصر نفسه قصة مشابهة تسمى “مأساة سيرفين” . فإن امرأة كاثوليكية كانت تخدم أسرة بروتستانتية ٬ فأغرت ابنتها بالفرار إلى دير كاثوليكي حيث سيمت سوء العذاب لتغير عقيدتها . غير أن الفتاة تخلصت من عذابها بالانتحار غرقا فى بئر .    فاتهمت السلطات الكاثوليك أباها بإغراقها ليحول دون ارتدادها عن دينها !.. ثم صدر حكم قضائى بقتل الرجل وامرأته ومصادرة أملاكهما !!

هذه المسالك المنكرة شاعت فى معاملة المسيحيين بعضهم مع البعض . وفى هذا الجو الكئيب المكفهر لا يمكن أن تستروح نعمة الحياة الكريمة , والحقوق المصونة لأقليات دينية أخرى .

فإذا طويت هذه الصحيفة , واستقرأت أحوال الذميين فى ظلال الحكم  الإسلامى , انتقلت من النقيض إلى النقيض , ورأيت المناصب من الوزارة فما دونها مباحة للأكفاء من اليهود والنصارى , بل لرأيت من تمكن هؤلاء فى الحكم , واطمئنانهم إلى رسوخ أقدامهم ، وشعورهم بخلو الجو لهم، ما أغراهم وهم القلة المدللة بمحاولة إيذاء المسلمين وإذلالهم , وبمحاباة طوائفهم فى كل شيء , استغلالا خسيسا لمرونة الدين الذي منحهم حق الحياة الكريمة فى جنباته ! قال الدكتور “ترتون” : لما لام الناس ابن الفرات ورموه بالكفر لسوقه إمارة الجيش إلى أحد المسيحيين , دافع عن نفسه بأنه اقتدى بالخلفاء السابقين الذين ولوا النصارى وظائف الدولة , وكان هؤلاء العمال النصارى يلقون كل مظاهر الاحترام . إلا أن المسلمين رفضوا تقبيل أياديهم بعد أن فرض ذلك عليهم !. وحدث في بغداد أن دخل أحد الوزراء النصارى , واسمه “عبدون بن صاعد” على القاضي إسماعيل بن إسحاق , فوقف له مرحبا . ولاحظ القاضى أن الشهود وبقية الحاضرين أنكروا عليه هذا العمل . فلما خرج الوزير قال لهم القاضى : قد علمت إنكاركم, وإن الله تعالى يقول : “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم” وهذا الرجل يقضى حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين خليفتنا , وهذا من البر , فأمن السامعون على قوله ورضوا به.

لكن إغراء السلطة ووساوس التعصب الكامن كانت تكيد كيدها ضد الإسلام من وراء ستار , حتى ضج الناس منها . وحدث فى سنة 387 هـ 977 م أن آلت الرياسة فى بلدة دقوقا إلى اثنين من النصارى وتمكنا بها وتصرفا فيها تصرف الحاكم واستعبدا المسلمين .. فقدم بعض هؤلاء المسلمين على جبرائيل بن محمد , وقالوا له : إنك تريد الغزو ولست تدري أتبلغ غرضا أم لا؟ . ونحن عندنا من هذين النصرانيين من قد تعبدنا وحكم علينا . فلو أقمت عندنا وكفيتنا أمرهما ساعدناك على ذلك . فقبض جبرائيل عليهما وصادر أملاكهما .

واستوزر “المعز لدين الله” عيسى بن نسطور النصرانى واستناب بالشام “منشة اليهودي” , فمال الوزير عيسى إلى النصارى وشجع منشة اليهود . فضج الناس بالشكوى ! فألقى الخليفة القبض عليهما , وأخذ من عيسى ثلاثمائة ألف دينار , وغرم منشة مبلغا ضخما . وفى سنة 529 هـ استوزر الحافظ لدين الله مسيحيا أرمنيا يدعى بهرام ويلقب “تاج الدولة” وقد عمد بهرام هذا إلى فصل المسلمين من وظائفهم وتعيين المسيحيين بدلهم ـ انظر جرأة الأقلية وتوقحها على الأمة التى تعيش فى ظلها !. وقد كان مسلك هذا الوزير المتعصب سببا فى إثارة المسلمين ضده . وخصوصا لأنه أوعز إلى النصارى بالإسراف فى بناء الكنائس والأديرة . حتى ظن أن الإسلام سينقرض من مصر . فلما هاج الجمهور ضده عزل عن الوزارة . وقال ابن الأثير فى كتابه “الكامل” : بل قتل .

ونحن نتساءل: فى أي عهد من التاريخ المسيحي استوزر الملوك المسيحيون يهودا أو مسلمين؟ بل فى أي عهد استوزر الكاثوليك بروتستانتيا أو بالعكس؟ إن المسلمين وحدهم هم الذين فعلوا ذلك

ومن الحقائق التى لا يجوز نسيانها , أن هذا الصنيع لم يقابل بحمد ولا تقدير . بل أصاب الإسلام منه ما أصاب صاحب الأفعى حين نقلها من برد العراء إلى الدفء وطيب المأوى , فكان الجزاء أن تحركت برأسها تريد أن تلدغه .. ثم يجيء أفاك فى هذا القرن يريد أن يقلب الحقائق , وأن يشوه التاريخ , وأن يتهم المسلمين ـ ومسلمي مصر بالذات ـ أنهم أذلوا الأقباط !!. وهكذا تصل الوقاحة بأصحابها إلى الحضيض . وصدق المثل “رمتنى بدائها وانسلت”.

ولنتابع سرد الوقائع : ذكر المقريزى فى “خططه” قصة نحب أن ننقلها لتشهد بأحداثها على موقف المسلمين فى مصر من أقباطها , قال : “لما انتهى الفيضان زمن ولاية الحافظ لدين الله , انتدب الموفق بن الخلال جماعة من العدول والكتاب النصارى إلى الولايات والأعمال لتحرير ما شمله الري وما زرع من الأرض , وتقدير خراجها , وكتابة المكلفات . وحدث أن خرج إلى بعض الجهات من يمسحها من شاد وناظر وعدول . وتأخر الكاتب النصرانى , ثم لحقهم . وأراد الكاتب عبور النهر إلى الناحية الأخرى فحمله ضامن المعدية، حتى إذا بلغ به وجهته المقصودة سأله أجره، فغضب الكاتب وسبّه , وقال له : أنا ماسح هذه البلدة , وتريد حق التعدية؟ فقال له الضامن : إن كان لي زرع فخذه . ثم تقدم فخلع لجام بغلة القبطي , وألقاه فى معديته ، فلم يجد الكاتب بدّا من دفع الأجرة حين أخذ لجام بغلته . ولما انتهى من مسح البلد وفرغ من تبييض المكلفة وحملها إلى ديوان الخراج فى العاصمة كما جرت العادة ، أضاف عشرين فدانا إلى المجموع , وترك فراغا بإحدى الصفحات , وأطلع الشهود على القائمة فوقعوا بصدقها .

ثم كتب هو فى البياض الذى تركه “أرض اللجام” باسم صاحب المعدية وقدرها بعشرين فدانا , لكل فدان أربعة دنانير , ثم حمل المكلفة إلى ديوان الأصيل . وكانت العادة قد جرت أنه بعد انقضاء أربعة أشهر من السنة الخراجية ترسل جنود أصحاب بطش وقوة وكتاب وشهود , وكاتب نصرانى إلى الولايات لاستخراج ثلث خراج الأرض وفقا للمكلفات . وكان هذا القدر من المال ينفق على الجند إذ لم تكن لهم وقتئذ إقطاعيات . ولم يكن من المألوف إرسال الرجل الذى قام بمسح الأرض بل يندب آخر مكانه ، ولما ذهبت هذه الجماعة ، وأعنى بها الشاد والكاتب والعدول , لجمع ثلث مال الناحية استدعوا أرباب الزرع , ومن بينهم ضامن المعدية وأرغموه على دفع ستة وعشرين وثلثي دينار . فأنكر أن يكون مالكا لأية أرض فى هذه الناحية وأيده القرويون فى إنكاره . فرفض الشاد – وكان فظا عسوفا – شهادتهم وضربه بالمقارع , وأرغمه على بيع قاربه وغيره لدفع الثلث الثابت عليه . فسار صاحب المعدية إلى القاهرة , وأبلغ الخليفة قصته , فأعيد النظر فى قوائم الخراج فلم يجدوا أية إشارة إلى أرض اللجام ، فأمر الخليفة بإحضار الكاتب وسمر فى مركب وقام له من يطعمه ويسقيه , وتقرر أن يطاف به فى سائر الولايات وينادى عليه , كما أمر بكف يد النصارى كلهم عن الخدمة .

وكان الحافظ مولعا بالفلك والتنجيم , فعمد النصارى إلى رشوة منجمه الخاص وطلبوا إليه أن يفضى للخليفة بأن مصر ستزدهر إن أقام السلطان فى تدبير الدولة واحدا معينا من النصارى ـ هو “الأكرم بن زكريا” فجازت الحيلة على الخليفة وجعل الأكرم أمير الدواوين ، وبادر الأكرم من ساعته إلى زيادة عدد المسيحيين أكثر مما كانوا قبلا , وظهرت عليهم دلائل النعمة , فارتدوا الملابس الجميلة وركبوا البغلات الرائعة والخيول المسومة بالسروج , وبالغوا فى الشدة على المسلمين , وضايقوهم فى أرزاقهم واستولوا على الأحباس الدينية والأوقاف الشرعية , واتخذوا العبيد والمماليك والجوارى من المسلمين والمسلمات , حتى لقد حملوا أحد الكتاب المسلمين على بيع أولاده وبناته بغرامة فرضوها عليه .

والتزم الخطة نفسها “أبو نجاح النصرانى” المعروف بالراهب ، فقد اقتضت مشيئة الخليفة “المنصور أبو على” الملقب بالآمر – وهو عاشر الخلفاء الفاطميين – أن يسند إليه منصب الوزارة ! وباشر الرجل عمله فارتكب مظالم كثيرة , وسار فى سياسة أحفظت عليه النفوس وبغضته لدى العامة . ولم يفلت من بلائه كبار الموظفين ومنهم القضاة والكتاب . بل لقد أثر عنه ما يدل على تنقص لمكانة النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذ يشتد فى مصادرة أموال الناس على اختلاف طبقاتهم ، إلى أن لقى مصرعه أخيرا فى الحادثة الآتية : ذلك أنه كان يجلس بالجامع العتيق ويرسل فى استدعاء من أراد مصادرة أمواله وفى يوم من الأيام , طلب رجلا من العدول الممتازين , يعرف بابن الغرس كان قد نال قدرا كبيرا من إجلال الناس واحترامهم ، فأهانه ، فخرج من عنده ووقف فى المسجد يوم الجمعة , حيث يشتد ازدحام الناس , وعبر عما شعر به من آلام وأحزان قائلا : يا أهل مصر انظروا عدل مولانا الآمر في تمكينه النصراني من المسلمين !

فأهاجت هذه الكلمات عوامل الغضب فى النفوس , وكادت تفضي إلى نشوب الفتن والاضطراب لولا تداخل خواص الخليفة فى الأمر , وأعلموا مولاهم بما حل بالمسلمين من عدوان هذا الوزير , وخوفوه سوء العاقبة ، فبعث الخليفة فى طلب أبى نجاح ، فلما مثل بين يديه انطلق رجل من الأشراف كان فى حضرة الخليفة وأنشده هذا البيت :

إن الذى شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب

يقصد تذكير الخليفة بما أشيع عن الراهب من تهجم على مكانة رسول الله ، وعندئذ التفت الخليفة إلى أبي نجاح وقال له : ما تقول يا راهب؟ فسكت , فأمر بقتله

أرأيت هذا الهوان النازل بالمسلمين؟ وهذا السواد اللاصق بوجوههم؟ إن هذا ـ ومثله كثير ـ يقع عليهم , والدولة لهم , والملك فيهم . وهذا ومثله هو ما استدل به الكاتب الصدوق النزيه : على أن المسلمين يتعصبون ضد مخالفيهم فى الدين , ويقصدون إلى إذلالهم , بل إلى إفنائهم … إن الكاتب المسيحي الذى أرسلته الحكومة المسلمة لمسح الأرض وتقدير الضريبة عليها كان رجلا خرب الذمة . وليست المسيحية هى التى أوصته بأن يظلم ويكذب . ولكننا نفحص تصرفه فلا نجد فيه إلا بطر الحق وغمط الناس . إنه يرتكب ما يرتكب وهو ممتلئ النفس ثقة بأنه مالك عمله وسيد وظيفته ـ والدولة مسلمة كما رأيت ، فهل ترى فى مسلكه إثارة من توجس تغريه بتملق الشعب المسلم , أو مراعاة الحكومة المسلمة؟؟ لا ، إنه يظلم ويزور , غير محاذر أمة ولا دولة . والمسلمون لا يرون ضيرا ولا عجبا فى أن يساكنهم ويصاحبهم من لا يتفق معهم فى الدين ، فانظر كيف تستغل هذه السماحة العالية فى تولي المناصب ـ كبراها وصغراها ، ثم في استغلال هذه المناصب للبغي والتعصب والتحزب ، ممن؟ وعلى من؟  من الأقلية الممتعة المرفهة على الأكثرية المتراخية !!. إننا سنجد أحداثا شتى من هذا اللون عندما نتكلم عن حال الأقباط فى مصر منذ الفتح إلى اليوم . ونريد أن نبين أن هذه المسالك النابية لم تخف على كثير من الحكام الأيقاظ .

الشيخ محمد الغزالى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى