الإسلام وطرق التربية الحديثة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن والاه وبعد؛
فإن الإسلام دين يدعو إلى العقل، وإن الشريعة دعوة لإعمال الذهن والتدبر، وقدح زناد الفكر.
“الأساليب النبوية في التربية وإعمال الفكر”
لعل هذا العنوان يصلح ليكون رسالة علمية مستقلة، بل ربما يتولد منه رسائل علمية كثيرة فالناظر إلى سيرة الحبيب المصطفى يجد أنها عامرة بالدروس والعبر، فكان كثير الاهتمام بالنشء وتربيتهم، وإرشادهم بكل السبل والوسائل والطرق، ومداعبتهم والقرب منهم، والهش لهم، وتقبل الرأي والمشورة والاعتماد عليهم، وتأهيلهم ليكونوا رجال المستقبل، وهذا رأيناه مع سيدنا عبد الله بن عباس في حديث سيدنا رسول الله ﷺ الذي يرويه ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله ، فقال: «يا غلام، أو يا غليم، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ فقلت: بلى، فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» .
وهذا الحديث فيه من الدروس والعبر والعظات ما فيه، ومن تلك الدروس استخدام النبي ﷺ ما نعرفه في طرق ووسائل التربية الحديثة بالعصف الذهني؛ حيث بدأ بسؤال: يا غلام ألا أعلمك ؟! ومثل هذا في حديث سيدنا رسول الله أن يبدأ حديثه فى ميدان التعليم بسؤال، من ذلك قوله ﷺ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لي النبي «أَلَا أَعْلَمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غفِرَ لَكَ، مَعَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الكريم، لا إلهَ إِلَّا اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ، وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ )
وفي الحديث عَنْ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها – قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى جُوَيْرِيَة باكرًا وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ، تَدْعُو ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالَ: مَا زِلْتِ عَلَى حَالِكِ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ : أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَعْدِلُهُنَّ بِهِنَّ وَلَوْ وُزِنَ بِهِنَّ وُزِنَ، سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، ثَلَاثًا، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جُوَيْرِيَة .
وهناك الكثير والكثير، ومنها حديث سيدنا رسول الله ﷺ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدَّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ في شجر البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدَّثَنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هِيَ النَّخْلَةُ ).
وهذا الحديث يدلنا على أكثر من عبرة
أولها : الأدب النبوي الشريف في الحض على الفكر والتدبر وإعمال العقل، وتوسيع أفق المتلقي، وفي كل الأحاديث السابقة نجد أن النبي ﷺ يتبع أسلوب السؤال ليقدح زناد الفكر، ويوقظ الذهن، وهنا يتبع النبي الأكرم ﷺ هذا الأسلوب لتنشيط الأذهان، وتوليد الأفكار الجديدة، وتسهيل مهمة التعبير عنها، وهو أسلوب لجمع المعلومات في اجتماع محدد ويطبق هذا الأسلوب في حال غياب المعلومات أو نضوبها وبروز حاجة ملحة لإيجادها، وهي عملية تفكير بصوت عال وبغير قيود، وذلك بخلاف النقاش المنظم المحدد؛ من منكم اليوم أصبح صائما ؟ ألا أعلمك كلمات؟» وهكذا مثل هذا الأسلوب يسهم في إعمال العقل والفكر، وتوليد ملكة النقد والفهم والتدبر.
الثاني: أدب صغار الصحابة في حضرة النبي وأكابر الصحابة؛ فعبد الله بن عمر رضي الله عنه – يعلم الجواب، ومع هذا يستحيي أن يتخطى أكابر الصحابة، وهذا أدب رباني، وقيم نبوية عالية، رباهم عليها سيد الخلق ، فهو القائل : ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرِفْ حَقَّ كبيرنا
خلق بيئة إبداعية وعوامله
لقد بذل النبي الأكرم كل ما في وسعه لخلق بيئة من الإبداع، ينعم فيها الصحابة الكرام
بالتفكير الحر المستنير، لفهم كتاب الله جل -جلاله، وكلام سيد الخلق على الوجه السليم دون شطط أو غلو، وهناك عوامل نستلهمها من سيرة الحبيب ، ونلمسها في أقواله وأفعاله إن ا أردنا مدينة تشبه مدينة سيدنا رسول الله ﷺ من بين تلك العوامل:
الحرية الفكرية ، ولا أقول حرية غير مشروطة أو مقيدة، بل هي حرية منضبطة بضوابط الشرع، مقيدة بكلام ربنا وأمر نبينا -لا تخرج عنهما، ولكن بالفهم السليم -والضوابط التي أقرها أهل العلم من جيل الصحابة رضوان الله عليهم – وحتى عصرنا حرية ينعم فيها الفرد بالأمن والسلامة، ويجد فيها أنه حر في تفكيره، يطلق العنان لفكره وقلمه بعدما يأخذ على يد أهل العلم، وله مطلق الأمن في أن يصيب ويخطئ، طالما بذل الجهد بـ والوسع إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر ، فالتعصب والتشردم والتمسك بمذهب واحد دون غيره، وفكرة لـ واحدة دون النظر لغيرها، والنظر لظاهر النص فقط، يقتل الإبداع، فأكابر الصحابة نظروا إلى ت الظاهر، ولم يخرجوا بدائرة الفكر إلى أمر ربما أ-غاب عن الكثير منهم رضوان الله عليهم فشجر البوادي كله يسقط ورقه إلا النخل
وهو أمر ربما يرونه، لكنه كما قيل : السهل -الممتنع، وهذا المقصد أصلا من حديث سيدنا رسول الله ﷺ خلق مساحة من التفكير؛ فإن الحرية الفكرية للداعية والمفكر هي مداد قلمه الذي بدونه لا ينتج ولا يثمر، وأهل السنة والجماعة وأهل الصلاح من أهل الفكر – رضوان -الله عليهم لا يمنعون الحرية الفكرية، والنقد الذاتي ؛ بل يحضون عليهما ويدعون لهما .
عن شيخ مولانا مولانا الشافعي – رضي الله وما عنهما – قال: «أهل العلم يَكْتُبُونَ مَا لَهُمْ وَ عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَا يَكْتُبُونَ إِلَّا مَا لَمْ مَا لَهُمْ .
الاعتماد على سواعد الشباب، لقد انتهج النبي نهج الاعتماد على الشباب ووضعهم في مصاف القيادة، مع الأخذ بخبرة الكبار، فيكون علمنا الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والقديم والحديث، والإفادة من قوة الشباب وفورتهم مع التعلم من خبرات السابقين، وهذا منهج إسلامي أصيل، علمنا إياه سيد الخلق ؛ فالابتكار والإبداع لا يعني نسف القديم بالكلية ولا هجره بل إن القديم هو الجذر الثابت الراسخ، والحديث نتاج لهذا الجهد، وصورته المعاصرة؛ ولذا قرر الفقهاء أن مسائل الفقه تتجدد بتجدد الزمان والمكان والظروف، وأن الفتوى خصوصا المبنية على العادات والأعراف – تتغير بتغير تلك العادات، وحتى الفتاوى المبنية على نصوص قابلة للأخذ والرد تتغير، لكن بضوابط شرعية ألف فيها العلماء البحوث والمؤلفات.
تبني المواهب، وهذا منهج نبوي شريف فهذا زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه من أخوال رسول الله يقول عن نفسه عن خارجة بن زيد بن ثابت، أنه أخبره أنه قدم على رسول الله ﷺ المدينة، قال زيد: مذهب بي إلى رسول الله ليعجب بي، فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني التجار معه مما أنزل الله عليك سبع عشرة سورة، قال: فأعجب رسول الله ، وقال لي النبي : يا زيد، تعلم كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي»، قال: فتعلمت له كتابهم، فما مرت بي خمسة عشر حتى حذقته، وكنت أقرأ كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب، وذكراً إذ ذاك إحدى عشرة سنة .
لم يتوقف الإعجاب عند هذا الحد، بل أدرك الحبيب المصطفى ﷺ ما تنطوي عليه شخصية زيد الفتى من قدرات فائقة يمكن أن توجه توجيها سليما يخدم الدعوة الإسلامية، فكان من كبار كتاب الوحي على حداثة سنه، كذلك نلمس تبني سيدنا رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ولابن مسعود وللإمام علي وأسامة بن زيد والحسنين رضوان الله عليهم جميعًا.
هذا المنهج الذي أخرج لنا الإمام الشافعي رضي الله عنه، هذا المنهج الإبداعي الحر الذي أخرج لنا أبا الأسود الدولي الذي تدخل في تغيير شكل النص القرآني باجتهاد وفهم وتدبر؛ ليصون كتاب الله من اللحن والتغيير، ثم تابعه نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، والخليل بن أحمد هذا الجو الحر الذي أخرج لنا الأئمة أمثال: العز بن عبد السلام، وزكي الدين المنذري، وابن حجر، والنووي، والسبكي، والغزالي، بل وجعل الحضارة الإسلامية في مقدمة العالم في العلوم والفنون، في فن البصريات، والطب والفلك والمقامات، واللغة والمجاز، والأدب، وعلوم الرياضيات، واختراع الجبر، والهندسة، واكتشاف الصفر، والخوارزميات، ومعرفة النجوم ومطالعها، واستشراف المستقبل غير المراصد، وغيرها من العلوم والمعارف والثقافات والفنون التي لم تكن توجد لولا تلك البيئة الفكرية الإبداعية التي حض عليها الحبيب المصطفى .
ما أخلص إليه أن العودة إلى سابق عهدنا يحتاج إلى
١- معرفة بما كان عليه النبي الأكرم واقتفاء أثره .
– نبذ التعصب والخلاف ورد الأمور الخلافية إلى أهلها من أهل العلم كما أمر الله.
— التمسك بالأصول والثوابت والمعذرة في الفروع التي لم يثبت فيها نص قاطع.
— تربية ملكة النقد والتفكير الحر عند الأجيال الناشئة.
ه الحوار والحديث والمجادلة واعتماد نهج المناظرة والرأي والرأي الآخر في القاعات العلمية.
– تجنيب العوام مواطن الخلاف إلا فيما يتعلق بالأصول أو تصحيح المفاهيم.
- توحيد منصات الفتوى وجهات الإفتاء وعدم تركها في يد من يعرف ومن لا يعرف.
الاعتقاد الجازم بأن الكمال البشري المطلق لسيد الخلق .
التعلم والتجربة والاعتراف بالخطأ مهما بلغت الدرجة والرتبة.
أ.د. محمد سالم الصعيدي. مجلة الأزهر



