حقيقة الإسلاممحمد
أخر الأخبار

خلق التواضع وتطبيقاته في حياة النبي

التواضع في اللغة التذلل، والاتضاع: أن تخفض رأس البعير لتضع قدمك على عنقه فتركب ، وصيغة تفاعل تدل على الإظهار؛ كما في تغافل بمعنى: أظهر الغفلة وإن لم يكن غافلا على الحقيقة، وكما في تباكى بمعنى: أظهر البكاء، وبهذا تكون صفة التواضع سمة لمن أظهر الضعة والذل لله ورسوله والمؤمنين وإن كان المرء عزيزًا في نفسه.

والتواضع في الاصطلاح: إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه، وقيل: هو تعظيم من فوقه لفضله .

وبالتأمل في حديث القرآن الكريم عن التواضع نلاحظ ما يلي:

أولا : أمر الله تعالى النبي ﷺ بالتواضع للمؤمنين؛ فقال سبحانه: “واخفِضْ جَنَاحَكَ لِمَن اتَّبَعَكَ مِن المومنين” (الشعراء: ٢١٥)، والمعنى: وتواضع لمن معك من المؤمنين  ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: (۸۸).

ثانيا: الثناء على عباد الرحمن بصفة التواضع قال تعالى: “وَعبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هونا” (الفرقان : (٦٣)

يعني : بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة .

ثالثا : الثناء على الملائكة بصفة التواضع ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ. وَيُسَحُونَهُ، وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) (الأعراف: ٢٠٦)،أي: لا يستكبرون عن التواضع له تعالى والتخشع )

رابعا: التواضع من صفات المؤمنين أهل الجنة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ وَاخْنُوا إِلَى رَبِّهِمْ أَوْلَئِكَ أصحاَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ” (هود: ۲۳) معنى قوله: (وَأَخْبَتُو اإلى ربهم ) : تواضعوا لربهم، والإخبات: التواضع والوقار .

خامسا: الحث على التواضع في المشي من وصايا الآباء الصالحين لأبنائهم؛ قال تعالى عن وصايا لقمان لابنه : “وَأَقْصِد فِي مَشْيِكَ” (لقمان: ۱۹) أي: تواضع في مشيك إذا مشيت ولا تستكبر ولا تستعجل، ولكن اتئد، قال مجاهد: وأَقْصِد فِي مَشْيِكَ : التواضع .

هذا، وقد ورد في الحث على التواضع عدة أحاديث صحيحة؛ منها حديث عياض بن حمار رفعه: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ” ومنها: حديث أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : …. وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ”

والمراد يرفعه في الدنيا، ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس ويصبح ذا مكانة، وكذا يرفعه الله في الآخرة، ويعظم له ثوابه بتواضعه في الدنيا، فالرفع يكون في الدنيا والآخرة .

ومنها حديث أبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً يَرْفَعُهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ “.

وأما عن تطبيق خُلق التواضع في حياة النبي فمن أهم معالمه:

أولا – تواضعه مع أهل بيته:

كان النبي ﷺ متواضعا مع أهل بيته، يخدم نفسه بنفسه، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم؛ روى البخاري بسنده عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصلاة” ، وتعني بقولها: «فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ: في خدمة أهله، وجاء تفصيل ذلك من روايات أخرى عن عائشة – رضي الله عنها – بأنه : كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويرقع دلوه ويحلب شاته، ويفلي ثوبه، ويخدم نفسه، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ، قَالَ ابن بَطَّالِ: مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ التَّوَاضُعُ، وَالْبُعْدُ عَنِ التَّنعْمِ، وَامْتِهَانُ النَّفْسِ لِيُسْتَنَّ بِهِمْ، وَلِئَلَّا يَخْلُدُوا إِلَى الرَّفَاهِيَةِ الْمَذْمُومَةِ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَمِّهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُتَكَذِبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهْلَهُمْ قليلًا) (المزمل: ۱۱)

ثانيا – تواضعه في ملبسه

كان النبي ﷺ متواضعا في ملبسه، فكان يلبس الغليظ من الثياب، واليسير منه؛ فقد أخبرت زوجه عائشة – رضي الله عنها – أنه ﷺ قبض وهو يلبس إزارًا غليظاً مما يُصنع باليمن، وكساء مرقعا أو صفيقا، وأقسمت أن رسول الله ﷺ قبض في هذين الثوبين، روى البخاري ومسلم واللفظ له عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءٌ مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُلَبَّدَةَ ، قَالَ: «فَأَقْسَمَتْ بِاللهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَيْنِ التَّوْبَيْنِ .

كما كان يلبس مرطًا مُرَخَّلًا من شعر أسود، عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَكَّلٌ مِنْ شَعَرِ أَسْوَدَ )

والمرط بكسر الميم وإسكان الراء كساء يكون تارة من صوف، وتارة من شعر أو كتان أو خز، وقال الخطابي هو كساء يُؤتَزر به، ومعنى مُرحل عليه صورة رحال الإبل أو فيه خطوط

ثالثا – تواضعه في مسكنه:

كان المصطفى متواضعا في مسكنه؛ فكان يضطجع على سرير قد نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء أو فراش سوى الحصير وكان الحصير يؤثر في جنبه، وكانت وسادة رسول الله ﷺ التي يتكئ عليها من جلد مدبوغ حشوه ليف، وهو قشر النخل الذي يجاوز السعف، وكان في بيته بعض أوراق أو حبوب شجر السلم الذي

يدبغ به الجلود، وبعض الجلود المعلقة، وأما خزانة طعامه فكان فيها قليل من شعير نحو الصاع.

أخرج البخاري عن عمر – رضي الله عنه -قال: «فَدَخَلْتُ عَلَى النبي ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعُ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشُ، قَدْ أَثَرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِيٌّ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْرُهَا ليف” ، وفي رواية أخرى عند البخاري: «وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُورًا ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ )  .

وعند مسلم: «فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا فَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ  قَالَ: »؟ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ ؟ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثْرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَبْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثَّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: يَا بْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟»، قُلْتُ: بَلَى .

رابعا – تواضعه في مركبه

كان النبي ﷺ متواضعا في مركبه؛ فقد ركب الحمار تواضعا منه ؛ عن أنس – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبَيَّ ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكِبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ وعَن أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، وَأَرْدَفَ أَسَامَةَ وَرَاءَهُ) .

خامسًا – تواضعه مع أصحابه:

كان النبي ﷺ في غاية التواضع مع أصحابه الكرام، ومن أهم مظاهر ذلك ما يلي :

(1) مخالطته لهم، وسؤاله عنهم، وتفقد الغائب منهم، وعيادة مرضاهم، واتباع جنائزهم ومواساتهم فيما يعرض لهم، ودعابته الصغيرهم في خطبة عن عُثمان بن عفان رضي الله عنه – قال: ” إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا، وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا، وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ” .

وعن أنس بن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قال : إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا، حَتَّى يَقُولَ لِأَحَ لِي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ التَّغَيْرُ”.

(ب) إجابته دعوتهم:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةً دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامِ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلَّ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ : فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَصَفَفْتُ وَاليَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَكَعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ”.

(ج) مشاركتهم في العمل ) وعدم التميز عليهم:

ومثال ذلك نقله مع أصحابه . الطوب اللبن في بناء مسجده الشريف؛ وفي البخاري : وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّينَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنقَل اللين:

هذا الجمال لا جمالَ خَيْبَر

هذا أَبَرُ رَبَّنَا وَأَظْهَرُ

ويَقُولُ:

اللهُمَّ إِنَّ الآخر أجر الآخرة ……. فَارْحَم الأَنْصَارَ، وَالمُهَاجِرَة .

كما شارك أصحابه في نقل التراب في حفر الخندق حول المدينة المنورة، عن البراء – رضي الله عَنْهُ ، قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنقُلُ التَّرَابَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ – أَوْ اغْبَر بَطْنهُ يَقُولُ:

واللهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

ولا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فأنزلَن سَكِينَةً عَلَيْنَا

وثبتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا

إنَّ الأَلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةٌ أَبَيْنَا

وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ أَبَيْنَا أَبَيْنَا.

سادسا – تواضعه مع الصبيان، والأرامل والمساكين، والإماء، وذوي الاحتياجات الخاصة كان النبي ﷺ يمر على الصبيان فيسلم عليهم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يفْعَلُه ، وأخرج النسائي هذا الحديث عن أنس بأتم من سياقه، ولفظه: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَرُورُ الأَنصَارَ فَيُسَلِّمُ عَلَى صِيَاتِهِمْ، وَيَمْسَحُ بِرُءُوسِهِمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ.

وكان النبي ﷺ يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي حاجة الجميع :

عن عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ يُكثرُ الذكر، وَيُقِلُّ اللَّعْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقْصِرُ الْخُطْبَة، وَلَا يَأْنفُ أَنْ يَمْشِي مَعَ الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِي لَهُ حَاجَتَهُ .

كان النبي متواضعا مع إماء المدينة:

عن أنس بن مَالِكٍ، قَالَ: إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَت )، قال ابن حجر: وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْقُ وَالانْقِيَادُ، وَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاعِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ في التواضع؛ لِذِكْرِهِ الْمَرْأَةَ دُونَ الرَّجُلِ، وَالْأَمَة دُونَ الْحُرَّةِ، وَحَيْثُ عَمَّمَ بِلَفْظِ الْإِمَاءِ أَيَّ أَمَةٍ كَانَتْ، وَبِقَوْلِهِ: حَيْثُ شَاءَتْ أَيْ: مِنَ الْأَمْكِنَةِ وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَخْذِ بِالْيَدِ إِشَارَةٌ إِلَى غَايَةِ التَّصَرُّفِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَاجَتُهَا خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَالْتَمَسَنُ مِنْهُ مُسَاعَدَتَها فِي تِلْكَ الحاجة لساعد على ذلك وَهَذَا دَالٌ عَلَى مَزِيدِ تَوَاضُعِهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكِبْرِ.

كان النبي ﷺ متواضعا مع أصحاب الاحتياجات الخاصة:

عَن أَنَسٍ، أَنَّ امْرَأَةَ كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ! انْظُرِي أَيَّ السَّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِها ، قوله: «فَخَلَا مَعَهَا» أي: وقف معها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها، ويفتيها في الخلوة ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس، ومشاهدتهم إياه وإياها لكن لا يسمعون كلامها؛ لأن مسألتها مما لا يظهره.

سابعا – تواضعه مع القادمين عليه لأول مرة:

عن أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : هَوْنَ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةِ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ”.

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه : د: رضا عبدالمجيد المتولي

مجلة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى