الإلحاد وحقيقته

رسالة إلى ملحد

إلى فريد

وقفت على رسالتك المعبرة عن حَيْرتك، وقد لاحظتُ عليها ما يحسن ذكره أولاً وإن لم يكن هامًّا:

1-  أني سأكتب إليك ما سأكتبه أدناه بلغة الناصح المشفق، إذ أني قد تألمت لحالك، وعرفت ما أنت فيه من الحيرة والضياع، واستشعرت نوع مصيبتك، فليس هناك مصيبة أعظم ولا أشنع من أن يجهل المرء خالقه وسيده وموجده، ومن بيده أمره، وإليه منقلبه.

3- ومع أني مسلم ـ والحمد لله ـ فإني لن أكثر الاستتدلال بالنصوص الإسلامية من القرآن الكريم والسنة النبوية، تنزلاً معك إلى الأسلوب الذي تريده من المحاججة العقلية. غير أني أريد أن ألفت نظرك فيما سيأتيك من العلم بالله سبحانه وأسمائه وصفاته: أنه من وحي الإيمان الحقِّ، والعلم الصحيح مما أكرم الله به البشرية برسالته الخاتمة، وكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه: دين الإسلام، والقرآن العظيم. وأنا أذكر لك هذا لأفتح أمامك آفاق المعرفة للخالق الأعظم. ولتعلم أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما مصدر كل ما عند المسلم من قوة في الحجة، وفهم للحقائق، ورجحان في العقل… والآن فلنشرع في المقصود:

أصل البلاء:

اعلم ـ شرح الله صدرك للحق ـ أن لكل نتيجة في هذا العالم مقدمتين أو أكثر. فإن كانت تلك المقدمات صحيحة جاءت نتيجتها صحيحة، وإن لم تكن صحيحة، أو كانت إحداها فاسدة: جاءت النتيجة غير صحيحة.

ورسالتك هذه نتيجة لمقدمتين فاسدتين:

الأولى: الجهل بالله سبحانه وسوء الظن به وعدم قدره حق قدره.

والثانية: نظرتك القاصرة للكون والحياة.

فكانت النتيجة هذه التشككات والأوهام الباطلة والزيغ والضلال ـ نسأل الله لك الهداية ـ فلا بدّ إذن من تصحيح هاتين المقدمتين في ذهنك أولاً.

معرفة الله تعالى[1]:

اعلم: أن كل موجود لا بد أن يكون له ذات، فلا يتصور موجود بدون ذات، بل من لم يكن له ذات لم يتصور في العقل وجوده أصلاً، وهذه بديهة عقلية. هذا أولاً.

وثانياً: أن كل ذات لا بدَّ أن يكون له صفات، إذ لا يتصور ذات من غير صفة، فالنار ـ مثلاً ـ ذات، صفتها: الإحراق، وبدونه لا يمكن تصور وجود النار، وهكذا كل ذات له صفة أو مجموعة من الصفات تتلازم معه وجودًا وعدمًا.

وثالثاً: أن الطريق إلى معرفة أيَّ موجود (أيْ: ذاتٍ) هي: معرفة صفاته، وبدون ذلك لا يمكن التعرف عليه، ولا التعريف به. من ذلك مثلاً تعريف الإنسان بأنه: حيوان ناطق. فالحيوانية والنطق صفة لذاته، ولا سبيل إلى معرفة الإنسان، وتمييزه عن غيره إلا بالتعرُّف والتعريف بصفاته اللازمة لذاته.

ورابعاً: إذا عرفتَ هذا: عرفتَ أن الصفة تتلازم مع الذات ولا بدَّ، لكنها ليست هي الذات نفسه.

وخامساً: فإذا تبين لك ما تقدم كان من نافلة القول أن نذكر: أن الصفات تتناسب مع ذواتها، وأن لكل ذات صفته الخاصة به، فكما أنه لا يتصور أن تكون للنار صفات الماء، ولا للماء صفات النار، فكذلك لا يتصور قطعاً أن يكون صفات الخالق كصفات المخلوق، أو العكس. ولهذا قيل: تصوّر الذات فرع من تصور الصفات.

صفات الخالق العظيم:

والآن وقد فهمتَ ما تقدم جيداً، ورسخ في عقلك أصل جامع للتصور، وهو برهان عقليّ يدرك بنفسه، نأتي إلى ما نحن فيه:

الظاهر من أمرك أنك تؤمن بأن الله ذات موجود، وتؤمن إيماناً جازماً بأنه خالق هذا الكون.

ولكن هل فكرّتَ بأن كونه خالقاً صفة له؟ وهل فكرّتَ بأنك لم تعرفه إلا بهذه الصفة وهي كونه (خالقاً)؟

أجزم أنك الآن بدأت تفكر بهذا، لأن ما ذكرته لك من القواعد العقلية الكلية لم تكن واضحة لك.

دعني أزعم أنك لا تحتاج إلى مزيد تفكّر وتدبر لمعرفة كونه سبحانه خالقاً، ذلك لأن مجرد وجود الكون دليل على وجوده، فمجرد الحدوث دليل على الحادث، ولا حاجة لطريقة جدلية أو فلسفية لإثباته، إذ أن هذا الأمر مغروس في الفطرة تسلم له النفوس السليمة.

مظاهر صفات الله في الكون والحياة:

ولكن: دعني أنقلك إلى سياحة فكرية وعقلية في الآفاق الفسيحة، والمخلوقات العجيبة لتتعرف على باقي صفات هذا (الخالق) العظيم الذي تؤمن به وحده.

فيكفي أن تشاهد فلماً علميًّا، أو تقرأ في مجلة عن الفلك أو البحار أو الطب، فتلاحظ أمرًا ملفتًا للنظر، ملازماً لكل المخلوقات، وهو: ظاهرة وضع الأشياء في مواضعها والدقة البالغة في ذلك، ولهذه الظاهرة آثار عظيمة في استمرار الحياة وسيرورتها، والتناسب والتناسق بين سائر المخلوقات، وسأضرب لك مثلاً واحداً، وهو: موقع الكرة الأرضية من الشمس؛ فلو أن الأرض كانت أقرب إلى الشمس بعدة أميال مما هي عليه الآن لاحترق كل شيء فوقها وانعدمت الحياة، ولو كانت بعيدة بعدة أميال عنها، لتجمد عليها كل شيء وتجمدت الحياة فوقها.

هذه الظاهرة تسمى ظاهرة الحكمة، والحكمة هي وضع كل شيء في موضعه الصحيح عن قصدٍ وعلم لا عن صدفة وجهل، بل إن الصدفة والجهل لا تنتج الحكمة أبداً.

وبما أنك تؤمن بوجود الله سبحانه، وبأنه وحده هو الخالق، فيلزم من هذا أن تؤمن بأنه الحكيم.

وهكذا إذا أمعنت فكرك وقلَّبت نظرك في خلق الله استطعت التعرف على باقي صفاته العليا سبحانه وآمنت وأيقنت بأنه (العليم) إذ أن كل مخلوق يشهد له بالعلم المحيط. وبأنه (القادر) فالعاجز لا طاقة له بهذا الإيجاد العظيم. وبأنه (فعَّال لما يريد) خلق فأكثر ونوّع وجعل كل مخلوق على حال وصفة خاصة… وهكذا يمكنك إثبات باقي الصفات {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر: 24].

حقيقة الإيمان:

ويحسن بي أن أنبهك هنا إلى أني لا أعني بالإيمان بصفات الله تعالى مجرد الإدراك الذهني، فإن ذلك لا ينفع، فإن إبليس اللعين يدرك ذلك أيضاً، ولكني أعني: التصديق الجازم المصاحب للإجلال والتعظيم، بحيث يباشر القلب، ويستحوذ على النفس، ويملؤ المشاعر، عند ذلك فقط تجد لذة الإيمان، وتعرف حقيقته، أما إذا كان الإيمان بصفات الله عندك مجرد الإدراك الذهني من غير إذعان قلبي فإن الكلام معك لا ينفع أبداً ـ إلا ما شاء الله ـ.

فإن قلت: فما السبيل إلى الإيمان الحق؟

فأقول: السبيل إخلاص النية، وانكسار النفس بين يدي خالقها وسيدها ووليها، فيكون مقصدك تعظيمه ومعرفته لا الاعتراض عليه. ولا يكون هذا إلا بأمر آخر: وهو معرفة قدرك، وأنك عبد مملوك لخالقه، ليس لك من الأمر شيء، يذلّك الجوع، ويقتلك العطش، ويخذلك المرض، ونهايتك جيفة قذرة. هذا أولاً.

وثانياً: أن تخرج من سجن الألفة والعادة. فإن الآيات العظيمة الدالة على صفات الله تعالى في الأفاق والأنفس لا تثير في نفسك شيئاً ـ رغم غرابتها وعظمتها وجلالها ـ لأنك ألفت رؤيتها، واعتدت ظهورها. فتخيل نفسك أنك ترى شروق الشمس أو غروبها، أو نزول المطر، أو مظاهر الحياة عند الحيوانات أو الإنسان، لأول مرة، ثم تأمل أثر ذلك على نفسك وعقلك وفكرك، فإن أثره سيكون عظيماً عليها بلا شك. وإلا ففكر في رجل قدم من الزوايا المظلمة من مجاهل أفريقيا ودخل أرقى مدينة تكنلوجية في العالم المتمدن، كيف سيكون أثر ذلك على نفسه، ثم قس ذلك على ما ذكرته لك، تدرك صحته.

طريقة دلالة الخلق على صفات الخالق:

وهذه المسألة أشرت إليها سابقاً، ولكني رأيت أن من الضروري تفصيل القول فيها.

فاعلم ـ هداك الله ـ أن كل فعلٍ فلا بد أن تنتقل إليه آثار صفات فاعله إليه، وبهذا يمكننا إدراك صفات الفاعل بالتأمل في الفعل (المفعول).

فمثلاً: نحن جميعاً عندنا قناعة عقلية أن اليابانيين على درجة عالية من الذكاء والإتقان والإخلاص في العمل. مع أننا لم نعش معهم، ولم نسافر إلى بلادهم، لكن تولدت عندنا هذه القناعة الصحيحة من وقوفنا على مصنوعاتهم، إذ استطعت التعرف على صفاتهم من آثارها الظاهرة على مصنوعاتهم.

ويستفاد من هذا ـ أيضاً ـ أن المخلوق دليل على صفات خالقه ولا بد، فإن كان: متقناً حسناً عظيماً،… فلا بد أن يكون خالقه متصفاً بهذه الصفات بالأولى، وقد تقدم ذكر هذا مرارًا، وهو الذي يسميه العلماء المسلمون: قياس الأولى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60]، وهو قياس عقليٌّ صحيحٌ.

استحقاق الخالق لجميع صفات الكمال:

وهذا أيضاً برهانه عقلي، إذ أن من فقد صفة من صفات الكمال، فلا بد أن يكون عنده صفة نقصٍ، إذ أن مجرد الفقد (أعني: فقد إحدى صفات الكمال) نقصٌ، ومن كان عنده صفة نقص لا يستحق ولا يقدر أن يكون خالقاً مالكاً رازقاً مدبراً، فالله عز وجل له صفات الكمال كلّها، وهذا الاستحقاق ثبوته متلازم مع إثبات كونه خالقاً، والشك فيه طعن في الإيمان بذلك وتناقض معه.

ظاهرة التلازم بين صفات الله تعالى:

ومن صفات الكمال ـ التي يستحقها الله سبحانه كلها على وجهها الأكمل ـ التلازم بين صفاته، إذ أن عدم التلازم صفة نقص، وذلك مستحيل في حق الله تعالى.

ولنوضح المقصود بالتلازم بهذا المثال، وهو: أننا نحن البشر عندنا صفة الحكمة والعلم والقدرة والإرادة، ولكن ليس بين صفاتنا تلازم، فقد نريد لكن بدون علم، وقد نقدر لكن بدون حكمة، وقد يرحم الوالد ابنه ويرفق به فيحمله ذلك على ترك تأديبه وتعليمه وهذا خلاف الحكمة. أما الله ـ سبحانه ـ فصفاته متلازمة ولا بدَّ. فإنه يرحم عن علمٍ وحكمة وقدرة. وحكمته ملازمة لإرادته وقدرته. ويظهر أثر هذا ـ كله ـ في معاملته لخلقه.

العقل والفطرة:

من ذلك: أن الله ـ سبحانه ـ لما خلقنا وأوجدنا على هذه الأرض اقتضت حكمته ورحمته أن لا يتركنا هملاً، ولا يسلمنا إلى مجاهل هذه الحياة التي لا طاقة لنا على استيعاب انفعالاتها ومتغيراتها فخلق فينا شيئين عظيمين بهما تستقيم حياتنا، وتصلح حالنا، ونكون حيث نستطيع التفاعل مع ما حولنا، وهما:

– العقل: إذ به ندرك القضايا البرهانية الثابتة والمتغيرة، ونقدر أن نعلم بالشيء على ما هو عليه، مثل أن 2×2= 4، وأن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، وأن الشيء لا يمكن أن يكون موجوداً وغير موجود في الزمان والمكان نفسه، وأن العَتَلةَ لكي تستوي أفقياً يجب أن تساوي القوة في ذراعها المقاومةَ في ذراعها، وأن النقيضين لا يجتمعان وقد يرتفعان، وأن الضدين لا يجتمعان ولا يرتفعان … إلى آخر ما يدرك بالعقل، وبه يحكم على صحته تصوراً وتصديقاً.

والضابط الثاني لاستقامة الحياة، هو:

– الفطرة: وهي جهاز احساس غرسها الله في النفس البشرية تدرك به خالقها وفاطرها، وتنفعل شعورياً مع مظاهر الخير والرحمة فتنشرح لها، وتستقبح مظاهر الفساد والظلم والفاحشة وتنفر منها … والناس جميعاً يدركون هذه المشاعر في دواخلهم، وهي ليست انفعالات العقل المجرد، بل هي شيء آخر غيره، فقد جبلوا عليها في خلقهم، حتى أنك تجد الظالم الفاسد المباشر للظلم والفساد لا يستحسن ذلك بل يستقبحه، إنما يبرر له بحيث يكون صنيعه مقبولاً عند الفطر السليمة، وهيهات.

كل مولود يولد على الفطرة:

والله ـ سبحانه ـ قد جعل هذين الجهازين العظيمين بحيث تنضبط بهما فكر الإنسان ومواقفه، ويستقيم سلوكه، ويزكو نفسه، وهي كفيلة بذلك، ولو أن الناس تركوا على عقولهم الصحيحة وفطرهم السليمة لاستقامت أمر الحياة، وما زاغ الناس عن صراط الله المستقيم، فصلحت صلتهم بخالقهم، وصلتهم فيما بينهم.

لكن: العقل يعرض عليه من الشبه والمضلّلات ما يفسده.

والفطرة: تطمس نورها بيئة فاسدة لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً. وكل هذا مشاهد.

ومن أجل ذلك جعل الله ـ سبحانه ـ لهما ضابطاً ثالثاً.

الحاجة إلى النبوة:

وهذا الضابط الثالث ـ الهادي إلى الرشاد، والمحافظ على ثوابت العقل، وسلامة الفطرة ـ هو: النبوة.

نعم: أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله ليرشدوا الناس إلى ما فيه سعادتهم واستقامة حياتهم، وهم لا يأتون إلا بما فيه الموافقة التامة للعقل السليم، أو الفِطَر السليمة.

والنبوة ثابتة عند البشرية، فهي تعرف في تاريخها أن بعض الناس يدعون أنهم مرسلون من عند الله، ويظهرون الآيات الدالة على صدقهم، فجنس النبوة والرسالة مما تعرفه الأجيال وتتناقله.

وأيضاً: أنه يمتنع على الله وهو القادر العظيم العليم الرحيم بعباده أن يترك من يدعي عليه الكذب يضلُّ عباده وهو يمده بالنصر والتمكين والآيات والحجج، وهذا الدليل الكوني القدري من أعظم الأدلة على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوة من قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام[2].

وليس هذا موضع شرح دلائل النبوة.

والمقصود: أن الله يرسل من عباده من يصطفيهم برسالته، ليحجز بها العقول عن الضلال والفطر عن الفساد.

هذا أولاً.

وثانياً: أن العقول مهما استقامت حالها ليس بإمكانها إدراك تفاصيل مراد الله منّا والحكم عليها، والله ـ سبحانه ـ أجلُّ وأعظم من أن يترك عباده دون أن يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم وخيرهم.

وإليك هذا المثال، وهو من باب قياس الأولى المتقدم. فلو أن رجلاً أرسل عماله وعبيده إلى جزيرة من الجزر ليس لهم سابق عهدٍ بها، ولا علم بأصولها، وقال لهم عيشوا هناك، واعملوا من أجلي، فلا يتصور في العقل وهو سيدهم ومولاهم أن يرسلهم هكذا دون أن يرسل معهم من يرشدهم ويدلهم على مواطن الخير ليلزموها، ومواطن الشر ليجتنبوها، ويبيِّن لهم تفاصيل ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه.

وهذا برهان عقلي، إنما يدرك بعد إدراك ما تقدم من صفات الله تعالى وآثارها في الكون والحياة، وإنه يستحيل نسبة صفة نقص له عز وجل فإن ذلك ينافي ربوبيته وقيوميته.

دعوة الرسل:

بعد أن تقرر جميع ما تقدم وصحّ بضرورة العقل، فاعلم: أن أنبياء الله ورسله في كل زمان ومكان ورغم اختلاف شرائعهم دعوا الناس إلى ثلاثة أمور كلية، اتفقوا عليها جميعاً، فهي أساس دعوتهم:

1– التوحيد: وهو أن يعبد الله وحده لا يعبد معه أحد غيره. وذلك بتعريف العباد بخالقهم ومالكهم، بأسمائه وصفاته، ليقدروه حق قدره، ويعبدوه حق عبادته.

2– النبوة: وهي أن الله تعالى اصطفى من عباده من يبلغون رسالته وأحكامه وشرائعه لعباده ليلتزموا بها، ويهتدوا بهديها، فهي منهج حياة لا تصلح إلا بها.

3– المعاد أو اليوم الآخر: وذلك ليعلم الناس أن حياتهم لا تنتهي بالموت، بل ينتقلون به إلى مرحلة أخرى هي دار جزاء وحساب، يسر فيها المؤمن، ويساء فيها الكافر.

شهادة الكتب القديمة:

ولكي تعلم صحة ما ذكرته لك، فيكفي أن ترجع إلى (الكتاب المقدس) وهو التوراة والإنجيل، فتجد فيهما ـ على ما فيهما من تحريف وزيادة ونقص وتغيير ـ عشرات النصوص الدالة على أن دعوة الرسل مبنيَّة على هذه الأصول الثلاثة. وليس بين يدي (الكتاب المقدَّس) لكي أنقل منه بعض تلك النصوص، فإني اكتب من ذهني من غير رجوع إلى أي مصدر.

رسالة القرآن العظيم:

أما القرآن الكريم، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، فقد نصّ على هذا مرات كثيرة جدًّا جدَّا، سواء في بيان دعوة الأنبياء والرسل السابقين، أو في بيان وتقرير دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

فقد أخبر الله تعالى عن دعوة أول الرسل نوح عليه السلام فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25 ـ 26].

فقوله (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) اثبات النبوة.

وقوله (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) اثبات التوحيد.

وقوله (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) اثبات اليوم الآخر.

وتجد تقرير هذه الأصول في دعوة جميع الرسل الذين ذكرهم القرآن.

عودة إلى الرسالة الحائرة:

والآن دعني أعود بك إلى رسالتك الحائرة، وما أثرته فيها من أسئلة مشككةٍ، ويمكن اعادة تصنيفها في ثلاثة أسئلة محدّدة:

– لماذا خلقنا الله؟

– لماذا يوجد الشر والأذى والمظالم على وجه الأرض؟

– لماذا حياتنا قصيرة؟

وظيفة الإنسان:

أما السؤال الأول فجوابه ما تقدم وهو أن الله تعالى خلقنا لعبادته، وهذه هي الحكمة الشرعية، أما الحكمة الكونية القدرية فليس للمخلوق أن يقول للخالق لم خلقتني؟ {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. وعبادة الله كما أنها تكليف شرعي، فهي أيضاً ضرورة كونية، فمجرد كون المخلوق ووجوده يلزم منه الخضوع والذل لخالقه، فالعبودية للخالق حالة ذاتية ملازمة لكينونة المخلوق وليست أمراً خارجاً عن ذاته طارئاً عليه، وهذا أمر يظهر بالتأمل لمن فتح الله عليه معرفة ما تقدم من القواعد الكلية لأسمائه وصفاته.

الإرادة والقدرة مناط التكليف:

والجواب عن السؤال الثاني: أن الإنسان لما كلفه ربّه وخالقه بعبادته وحده، لم يكن لهذا التكليف معنىً لو أن الإنسان كان غير مريد ولا قادرٍ، بل كان سيكون أداة تتحرك بأمرٍ خارج عنها، وعند ذلك لا يبقى لوصف العابد بأنه عابد معنىً، بل يتساوى هو والذي لم يعبد. وهذا أمر واضح، وكون الإنسان مريداً قادراً حقيقةً معلوم في العقول والفطر.

إذا كان الأمر كذلك: فإن الناس ليس كلهم يستعمل إرادته وقدرته في الخير، بل أكثرهم يستعملها في الشر، وهذا مصدر الشر في أفعالهم، فهو ـ أيْ: الشر ـ يضاف إليهم وليس إلى الله تعالى، فليس في خلقه سبحانه شرٌّ.

ويتم الجواب بفهم النقطتين التاليتين:

الأولى: أن الإنسان فاعل حقيقة والله خالق فعله حقيقة. وبيان هذا: أن الله خلق للإنسان إرادة وقدرة، ولا يمكن أن يقوم بفعلٍ إلا باجتماع إرادته وقدرته، فقد يكون الإنسان قادراً لكن غير مريد، أو مريداً غير قادر، فما ينتج عن المخلوق فهو مخلوق، ولو شاء الله لجعل المريد غير قادر والقادر غير مريد، فهو خالق أفعال العباد حقيقة.

والإنسان فاعل حقيقة، حيث أنه يكون قادراً على الفعل لكن لا يريده فلا يفعله، فهو مختار فاعل حقيقة.

الثانية: أن كل حركة أو سكون في هذا الوجود لا يمكن أن توجد إلا بإذن الله وحده. وكذلك فعل الإنسان {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [المرسلات: 30].

وهذا موضع الجواب على سؤالك: ما هو السبب لعدم تدخله في وضعها نصابها على الوجه الأكمل؟

فإنك ـ أيها المسكين! ـ لم تميز بين إرادة الله تعالى للشيء ومحبته له، فظننت أن الإرادة تستلزم المحبة، وهذا من الجهل بحكمة الله تعالى.

فاعلم أن الله تعالى يريد الشيء ويفعله لا لحبه له ورضاه به، بل لحكمة اقتضت ذلك، فالإرادة تتلازم معها الحكمة والعلم والرحمة، وليس المحبة.

وإليك المثال التالي وهو من باب (قياس الأولى) الذي تقدم ذكره:

إن الإنسان إذا مرض يأخذ الدواء المرّ المذاق والكريه الرائحة، لا لأنه يحبه، بل لأن هذا مقتضى الحكمة والعلم.

وكذلك: يضرب الأب ابنه ويحرمه من بعض المتع واللعب وغير ذلك، فيتأذى الصغير ويبكي، فهل يقال: أن الأب يحب ذلك ويفرح به؟ لا، بل إن ذلك مقتضى الحكمة والعلم. {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى}

فإذا تبين لك هذا، فاعلم أن ما تراه في أحوال هذه الحياة الدنيا من الشرور والالام والمظالم انما اقتضت ذلك حكم عظيمة، ليتبين المسيء من المحسن، والكافر من المؤمن، و{لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [الأنفال: 37]، فيرفع درجة أوليائه ويزيدهم نعيماً وسعادة في عقباهم، {فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [الرحمن: 55].

وكذلك: ليقيم الحجة على أعدائه، ومن يزيغ عن هديه الشرعي والعقلي والفطري، ويزيدهم عذابًا وسعيرًا في عقباهم :{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} [ص: 56].

وهكذا تتجلى آثار صفاته: الرحمن الرحيم، المنتقم الجبار، القوي العزيز، الغفور الرحيم،… في معاملته لعباده من المؤمنين والكافرين.

نعيم ولا موت أو عذاب ولا موت:

أما السؤال الثالث فهو ساذج، يدل على جهل بالمصير والمآل، وكان يمكن أن يكون صحيحاً لو لم يكن بعد الموت بعث ولا نشور ولا جنة ولا جحيم، فكيف يمكن طرح هذا السؤال، وهذه الحياة ليست إلا مرحلة عابرة، ومحطة انتقال إلى الحياة الحقيقية الأبدية التي لا نهاية لها.

نعم: لو كانت موتتنا الأولى هي نهايتنا الحقيقية لكانت الحياة على هذه الأرض مأساة حقيقية وشقاءً محضاً، حتى وإن كنا فيها سعداء منعمين، ولذلك تجد أضخم أرقام الانتحار ومحاولات الانتحار لدى الشباب السويدي الذي لا يؤمن بالله سبحانه ولا بيومٍ يوقف بين يديه، فهل هؤلاء ينتحرون لجوعهم أو مرضهم؟ لا والله إنما لجوع نفوسهم إلى الإيمان، ومرض قلوبهم وعقولهم بالكفر والإلحاد.

فإذا آمن المرء باليوم الآخر، وأن هذه الحياة مرحلة تمهيدية لأخرى لا نهاية لها: اطمئنت نفسه، واستراح قلبه، وتوسع نظره، فلا يكون همّه ولا فكره ولا هدفه إلا آخرته، كيف يصلحها ويجعل حياته تلك حياة سعيدة تقرُّ بها عينه؟ فيحرص في هذه الدار ـ دار التكليف والامتحان ـ على تحقيق عبوديته لخالقه وسيده ومولاه، فيقوم بأمر الله ويدع الناس وشرهم، ويحجز عنهم شرَّه.

فإذا تبين هذا تبيَّن فساد سؤالك: (ما الذي يخسره الخالق لو أعطانا ثلاث مئة سنة حياة بصحة جيدة؟ هل هو بخيل؟)

فأيش تعمل بحياة مئات السنين نهايتها موت وبلى وعدم؟ لكن الله تعالى لكرمه وعظيم إحسانه هيّأك لتلك الحياة السعيدة الأبدية، ولكي تسحقها وتكون من أهلها منحك الفطرة والعقل، والإرادة والقدرة، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق.

فأيّ تكريمٍ للإنسان: أن اختاره الله ـ سبحانه ـ من بين مخلوقاته لتلك الدار، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

خاتمة: لا خير للإنسان ولا سعادة إلا باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم:

وقد اتضح لك كل هذا بما تقدم، فإن كنت تريد طريق الخير والنجاة فالزم ما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتدبّر آياته وحججه، واعمل بأحكامه وشريعته، فإن الله ـ سبحانه ـ {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}، فكما أن له الخلق الكوني القدري، وهو المتفرد به، فكذلك له وحده الأمر الشرعي الديني، فله الخلق والإيجاد وله الأمر والنهي، فلا حاكم ولا آمر ولا ناهي في مملكته غيره.

فمن لزم أمر خالقه سعد ونجا: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]

الجائزة الحقيقية:

أما عن جائزتك التي اعلنت عنها، فلستُ أقول لك إلا كما قال هود عليه السلام لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [هود: 51]. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]أكتب إليك من واقع أنك تؤمن بوجود الله تعالى، وأنه الخالق وحده.

[2]هذا الدليل من أعظم الأدلة، وهو آية هود عليه السلام (راجع سورة هود: 53).

الموقع الرسمى للشيخ : عبدالحق التركمانى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى