النصرانية

كتاب النصارى يبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم

((في طيات أسفار التوارة نبوءة وميزان يكشف الدعي الكاذب، ويجليه بوصفه وحاله، يقول سفر التثنية “وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه… فيموت ذلك النبي… فلا تخف منه” [التثنية 18/20 – 22].

وقد قال غملائيل الفريسي كلمة حق: “والآن أقول لكم: تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم، لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض، وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً ” [أعمال 5/38-39]، ودعوة نبينا لم تنتقض، بل ملأت الخافقين، وسادت الدنيا قروناً طوالاً.

فسلامته صلى الله عليه وسلم من القتل، وانتصاره على عدوه، وانتشار دعوته ودينه، دليل وبرهان على صدقه ورسالته “لأن الرب يعرف طريق الصديقين، وطريق المنافقين تهلك” [المزمور 1/6]. وكذا قال: “وتهلك كل الذين يتكلمون بالكذب، الرجل السافك الدماء والغاش يرذله الرب” [المزمور 5/6] ويقول: “الرب يعضد الصديقين… أما الخطاة فيهلكون، وأعداء الرب جميعاً.. وكالدخان يفنون” [المزمور 3/17 – 20].

لقد دلت هذه النصوص على صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ــ في نبوته ورسالته، لسلامته من الأذى وتمام أمره ودينه وانتشار دعوته في العالمين)) (1).

ومن عجائب العهد القديم ـ ما يقول عنه المسلمين مجازا التوراة ـ أنها تنبأت عن وقوع أشياء كثيرة تافهة، ويكتم النصارى واليهود أن التوراة تكلمت عن هذا الحدث الجلل الذي سمعت به الدنيا كلها ودخل كل دولها، أعني بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانتشار الإسلام العظيم.

الله سبحانه وتعالى يقول: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: 157)

ومن أصدق من الله قيلا ؟!

ومن أصدق من الله حديثا ؟!

ونحن نقول أن التوارة (العهد القديم مجازا) تنبأت بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذا الأناجيل (العهد الجديد)، في أكثر من موضع ولكن أهل الكتاب يكتمون، ويحرفون. وسأعرض على حضراتكم نبوءات الكتاب المقدس التي تبشر بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الآن من العهد القديم ثم أردفها بنبوءات العهد الجديد.

النبؤة الأولى:

جاء في سفر التثنية الإصحاح 18 العدد [15 – 25]: “يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون. حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلا لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضا لئلا أموت. قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا. أقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به “

والخطاب في هذا النص لموسى عليه السلام.

ونلاحظ في النص التالي:

1- أن النبي الذي سيقيمه الرب من بين إخوة بني إسرائيل، وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل عليه السلام. إسماعيل بن إبراهيم، وإسرائيل (يعقوب) بن اسحق بن إبراهيم عليه السلام.

2- وأن كلام الله سيكون في فمه، ونبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان وحي الله في فمه ولم يكن في يده، فلم يكن ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوما يكتب وإنما فقط يتكلم، وكتابه الذي جاء به هو القرآن قرأه عليهم ولم يأتهم به في ألواح كما كان الحال مع موسى ـ عليه السلام ـ.وستأتي ـ إن شاء الله ـ نبوءة أخرى تبين ذلك.

3- وفي النص أن هذا النبي مثل موسى عليه السلام. وحاول البعض أن يصرف هذه المثلية إلى يوشع ـ شعيب عليه السلام ـ مرة وإلى المسيح عيسى ابن مريم مرة أخرى، وهي محاولات تعكس لك رغبة القوم في صرف الأمر عن النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس تتبع الحق، فيوشع ـ شعيب عليه السلام ـ كان معاصرا لموسى عليه السلام فلا ينصرف إليه الوصف السابق، ويوشع والمسيح كلاهما من بني إسرائيل وسفر التثنية الإصحاح الرابع والثلاثين عدد 10 يقول: “ولم يقم بعد ذلك مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه” ومعنى هذا بعد موسى لم تقم في إسرائيل نبوة مثل نبوة موسى وقامت هذه النبوة في إخوة بني إسرائيل وهم سلالة إسماعيل عليه السلام.

والمثلية متحققة بين موسى ومحمد عليهما السلام:

– كلاهما ولد في أرض وهاجر منها إلى غيرها موسى ـ عليه السلام ـ إلى مدين ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة.

– وكلاهما تعرض للمطاردة والمؤامرة بالقتل.

– وكلاهما نزل عليه كتاب تشريعات كاملة في الجنايات والزواج والطلاق والمواريث وغيره.

– وكلاهما ولد من أبوين والمسيح ليس له أب كما لموسى ومحمد عليهما السلام.

– وكلاهما قاتل أعداءه.

– وكلاهما تزوج وأنجب ذرية.

– وكلاهما مكن الله له في الأرض وأهلك أعداءه.

– وكلاهما كان رئيسا مطاعا في قومه وكلاهما مات ودفن في الأرض ولم يرفع إلى السماء كما رفع المسيح.

فواضح أن المثلية متحققة بين موسى ومحمد عليهما السلام.

النبوءة الثانية:

في سفر أشعياء الإصحاح 29 عدد 12: “أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له اقرأ فيقول لا أعرف الكتاب”. أليس هذا هو بأم عينه ما حصل مع نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غار حراء حين أتاه جبريل وقال له إقرأ فقال ما أنا بقارئ. نعم دفع الكتاب (القرآن) لمن لا يعرف الكتابة. وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

النبوءة الثالثة:

جاء في سفر التكوين الإصحاح 21 العدد [13 – 21]: “وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك. فبكر إبراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء، وأعطاهما لهما وأعطاهما جر واضعا إياها على كتفها والولد وصرفها ومضت وتاهت في برية بئر سبع. ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. وجلست مقابلة بعيدا نحو رمية قوس لأنها قالت لا انظر موت الولد فجلست مقابلة ورفعت صوتها وبكت. فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها يا هاجر لا تخافي لأن الله سمع لصوت الغلام حيث هو. قومي احملي الغلام وشدي يدك به لأني سأجعله أمة عظيمة. وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. وكان الله مع الغلام وكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من ارض مصر”.

وهذا النص يحكي قصة هاجر ـ عليها السلام ـ وقصة بئر زمزم، وهم وضعوا كلمة بئر سبع ليصرفوا النص عن مكة المكرمة، وما فلحوا. ففي النص برية “فاران” (2) وهي مكة بالعربية، ثم لم يتكلم أحد عن أن هاجر كان لها ولأبنها وجود في بئر سبع ـ من أرض فلسطين ـ بل كل المصادر تقول أنه سكنت الحجاز.

في النص أن الله سيجعل ولد الجارية (هاجر) أمة، وفي “سأجعله أمة عظيمة”. ولم يحدث أن كان أحدا من نسل إسماعيل عليه السلام أمة إلا في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ،والأمة عند الله هي التي تعرف الحق وتتبعه.

النبوءة الرابعة:

في سفر التثنية الإصحاح الثالث والثلاثون عدد [1 – 2]: “هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته. فقال جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه ناره شريعة لهم” وذلك في التوراة طبعة 1865م.

هذه النبوءة تتحدث عن أماكن ثلاثة ظهرت فيها ثلاث نبوات، جبل سيناء حيث ظهرت نبوة موسى، وجبل سعير أو ساعير حيث ظهرت نبوة المسيح عيسى بن مريم، وجبل فاران بمكة حيث ظهرت نبوة محمد عليه السلام (3).

ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من سلالة النبي إسماعيل بن إبراهيم الذي قيل عنه في سفر التكوين إصحاح 21 عدد [20 – 21] طبعة 1865م: “وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر”. وفي التوراة السامرية أيضا 21: “وسكن في برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر”.

وهذه الأماكن الثلاثة التي ظهرت فيها النبوات هي نفسها المذكورة في القرآن الكريم في سورة التين قال تعالى: “والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين”

فوادي التين والزيتون في فلسطين في سعير حيث ظهرت نبوة المسيح وطور سينين فيه ظهرت نبوة موسى والبلد الأمين مكة وفيه ظهرت نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

النبؤة الخامسة:

في سفر التكوين الإصحاح السابع عشر العدد 20: “وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا اثني عشر رئيسا وأجعله أمة كبيرة “

هذا النص التوراتى يذكرنا بدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان قواعد بيت الله فى مكة: “ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم” (البقرة: 128 – 129) واستجاب الله لدعاء إبراهيم وإسماعيل فجعل في ذرية إسماعيل أمة كبيرة جدا أسسها نبي من أولاد إسماعيل وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الأمة لا تكون كبيرة في ميزان الله تعالى إلا بنبوة تقوم فيها وتتبعها هذه الأمة.

ويلاحظ أن النص في التوراة السامرية ورد بقول: “وفي إسماعيل استجبت منك هوذا أباركه وأثمره جدا جدا اثني عشر رئيسا يلد وسأجعله شعبا عظيما”.

ويلاحظ أن كلمة جدا جدا باللغة العبرانية تعني “بماد ماد” وشعب كبير باللغة العبرية تعني “لجوي جدول” واليهود كانوا يستخدمون دائما حساب الجمل في بيان مرادف الكلمات وهو حساب عددي وكل من “بماد ماد” و “لجوي جدول” حروفها اثنان وتسعون في حساب الجمل و”محمد” حروفها ايضا اثنتان وتسعون.

تعليل بداخله بشارات أخرى:

(والبعض يطالبنا بالكشف عن النص الصريح الذي يبشر بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ويبين بجلاء اسمه وصفته التي لا ينازعه فيها أحد، ويحول دون تحقيق ذلك أمران متعلقان بالكتاب المقدس وتراجمه، وهما لا يعزبان عن فهم المتضلعين في كتب القوم المقدسة، الذين يدركون السبب الذي أضاع أو أغمض كثيراً من البشارات الكتابية.

أولهما: أن لأهل الكتاب عادة في ترجمة الأسماء إلى معانيها، فيوردون في الترجمة المعنى دون الاسم، وقد يزيدون تفسيراً للعبارة، ويقحمونه في النص.

ولكم ضاع بسبب هذا الصنيع من دلالات واضحات، منها نبوءة المسيح عن البارقليط، والذي تسميه التراجم الحديثة: “المعزي”، ومنها بشارة النبي حجي بمقدم “محماد” التي ترجمها المترجمون بمشتهى، فضاعت الكثير من دلالات قول النبي حجي: “ويأتي مشتهى كل الأمم” [حجي 2/7].

ونحوه ما جاء في المزامير [84/6] عندما ذكرت المزامير اسم مدينة المسيح القادم، أسمتها: وادي بكة [???????? ????????]، وتقرأ: “بعيمق هبكا”، فترجمها المترجمون إلى العربية إلى وادي البكاء، وترجمتها نسخة الرهبانية اليسوعية إلى “وادي البَلَسان”؛ لتضيع دلالتها على كل عربي يعرف أن بكة هي بلد محمد صلى الله عليه وسلم، {إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدًى للعالمين} (آل عمران: 96).

وضرب رحمة الله الهندي في كتابه الماتع “إظهار الحق” لهذا الصنيع من المترجمين ثلاثة عشر مثالاً قارن فيها بين طبعات مختلفة للكتاب المقدس، ليقف منها على أثر هذا الصنيع في ضياع دلالات النصوص، منها:

أنه جاء في الطبعة العربية (1811م) “سمى إبراهيم اسم الموضع: مكان يرحم الله زائره” (انظر التكوين 22/14) فاسم المكان العبراني أبدله المترجم بمعناه، وفي طبعة (1844م) العربية قال: “دعا اسم ذلك الموضع:”الرب يرى”، وبذلك ضاع الاسم الصحيح، واختلفت المعاني، ومثله كثير… ثم يقول رحمة الله الهندي: “فهؤلاء المترجمون لو بدلوا في البشارات المحمدية لفظ رسول الله بلفظ آخر، فلا استبعاد منهم”.

———————————————–

الهوامش:

(1) هل بشر الكتاب المقدس بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنبي ـ للشيخ الدكتور / منقذ محمود السقار. المقدمة.

(2) وتكلم قاموس الكتاب المقدس أن فاران صحراء جنوب فلسطين بين سيناء وسيعير وهذا أمر ظاهره الخطأ، والصحيح أنها مكة المكرمة، وفي نبوءات أخرى جاء اسم مكة صريح (بكة). وقد ورد تحقيق هذا الأمر بهامش كتاب إظهار الحق للعلامة رحمة الله الهندي. صفحة 1134 الجزء الرابع طبعة إدارة البحوث بالسعودية.

(3) ومن النكات العلمية التي يذكرها أهل العلم حول هذا النص: عبر عن نبوة موسى بالمجئ وذلك كناية عن الفجر والمجئ يعقبه الذهاب وعبر عن نبوة المسيح بالشروق والشروق يعقبه الغروب حتما وعبر عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتلألأ يعني النور الدائم الذي لا ينقطع إلى يوم القيامة.

 

———————————————–

المصدر:

خاص بإذاعة طريق الإسلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى