مقالات

المسلمون في الغرب وصراع الهوية

 

قد نحمل جوازات فرنسية، لكننا لا نشعر بأننا من الفرنسيين لأن هذا المجتمع لم يقبلنا أبداً». هذا ما عبر عنه فؤاد (23 سنة) لمراسل النيويورك تايمز (29/3). وفؤاد هذا الذي لم يعط للمراسل اسم عائلته خوفاً من «بطش الشرطة» ــ كما ادعى ــ هو أحد أصدقاء محمد مراح، الإرهابي الفرنسي من أصل جزائري الذي قتل سبعة أبرياء ولقي حتفه على أيدي قوات مكافحة الإرهاب الأسبوع الفائت. وشعوره هذا ــ سواء اكان حقيقياً أم متخيلاً ــ يعكس الأجواء التي يعيشها أبناء الجيل الثالث على وجه التحديد من المهاجرين العرب المسلمين في الديار الأوروبية.

لماذا الجيل الثالث ، لأن هذا الجيل هو الباحث عن أصوله وجذوره، كما يقول أحد علماء الاجتماع حيث صاغ قانوناً سماه بتلك التسمية. فالجيل الأول هو الجيل المهاجر الذي «ركب البحر ولم يخش من الغرق» في سبيل لقمة العيش. وهو الجيل الذي كافح وصبر وارتضى بالهوان وقتر على نفسه لكي يبعث إلى من يعتاش عليه ما يقيم أوده. وهذا الجيل، بحكم الإقامة الطويلة ارتبط برباط الزوجية في مهجره، ثم رزق بأبناء أخذ يغذيهم بثقافته وينشئهم تنشئة يريد من خلالها أن يعوض ما فاته من فرص لظروفه التي دفعته إلى الهجرة وترك مسقط رأسه.

وهؤلاء الأبناء تربوا في كنف أب حريص، فاستقام عودهم، وأقبلوا على الدراسة والتعليم يريدون أن يحققوا مطمح والديهم، وأخذوا يصارعون للاندماج في المجتمع، يكابدون في إتقان لغته والتمكن من اللهجة الدارجة في محيطهم، فهم يتكلمون بلغة آبائهم وأجدادهم في بيوتهم، أما خارجها فهم يسعون إلى أن يصبحوا كأقرانهم من أهل البلاد الأصليين. وربما أصبحوا موضع تندر منهم لخطأ في لفظ إحدى الكلمات أو التفوه بتعبير غير مناسب وهكذا.
وفي بيوتهم أيضاً تعلم هؤلاء الدين واكتسبوا الأخلاق والقيم العربية التي رأوها مخالفة أشد المخالفة لواقع

حياتهم في المجتمع الكبير. جملة الكلام أن هذا الجيل كان الجسر بين جيل الأجداد المكافحين الذين كانوا يعرفون مقاماتهم ولا يتخطون «حدودهم» والذين تربوا على قيم «العين ما تعلى على الحاجب»، وبين جيل الأحفاد الذين باتوا ينظرون لأنفسهم كأنداد لأهل البلاد الأصليين، والذين تغذوا بقيم الحرية والإخاء والمساواة وغيرها من الشعارات الأيديولوجية الغربية المثالية التي ترددت على مسامعهم كثيراً: في المدرسة ووسائل الإعلام وغيرها.

وبالتالي أضحى هؤلاء حساسين لأي تمييز، وقد يبالغون في ذلك، فيرون أن مجتمعهم بسبب انتمائهم الأصلي إنما يقيم تفرقة بينهم وبين أقرانهم من أهل البلاد الأصليين، وأن شعاراته إنما هي شعارات زائفة يراد منها التضليل، أو هي في أحسن الأحوال شعارات تُطبق على أهل البلاد الأصليين وليس على من هم من أصول أجنبية. ثم تبعاً لذلك، يبالغ هؤلاء في نزعتهم التشاؤمية فيرون أن هذه المجتمعات ليست مبنية على قيم الكفاءة في كل الأحوال، وأن الولاء والأصل وغير ذلك هي أيضاً معايير مازالت قائمة.

ونحن لا ننكر وجود مثل هذه التوجهات، وأيضاً لا ننكر أن المجتمع له آليات للمحافظة على ذاته وتميزه الثقافي، وأن عملية التماثل الاجتماعي وقبول الأجنبي تأخذ وقتاً طويلاً في الأحوال العادية، فما بالك بالظروف التي تعيشها تلك المجتمعات، حيث بات «الإرهاب باسم الإسلام» يضربها في عقر دارها، ليشوه صورة المسلمين وليحطم ما بناه الآباء والأجداد، وليخلق سداً منيعاً بينهم وبين باقي «مواطنيهم»!!.

والبعض منهم في عملية إلقاء اللوم على مجتمعهم والادعاء المبالغ فيه في التمييز والتفرقة ضدهم، يرتهنون إلى الكسل والتسرب من المدرسة وقضاء الوقت في التسكع، وإلى سلوك أقصر السبل لجمع الثروة، لتتكون لديهم توجهات للانحراف عن جادة الصواب. وهم بهذا يكونون صيداً سهلاً لعصابات الجريمة المنظمة أو للجماعات الإرهابية.

وللأسف، يغض هؤلاء اليافعين أعينهم كلية عن النجاحات التي حققها البعض ممن تمتد جذورهم خارج القارة الأوروبية أو الأميركية ومنهم من المسلمين. فلا يرون أوباما وقد تقلد رئاسة أعظم دولة في العالم، متخطياً الرواسب العنصرية التي ما زالت قوية في الثقافة الأميركية الأنجلو سكسونية، أو لاعب الكرة زيدان الذي بات كل فرنسي يفتخر به، وغيرها من الأمثلة كثير.

إن جيل الشباب المسلم في الديار الغربية أمام مفترق طريق: فإما أن يقبل بالقواعد التي رست عليها هذه المجتمعات والتي أساسها العمل والاجتهاد والكفاءة في سبيل بناء المكانة الاجتماعية اللائقة. وهذه القواعد قبلتها كل الأقليات ففازت فوزاً عظيما. علماً بأن حرية العقيدة مكفولة في هذه المجتمعات ومصونة، وبالتالي يستطيع هذا الجيل الاحتفاظ بهويته الإسلامية دون أن يؤثر ذلك في انتمائه الوطني. ألم تنج الجالية اليهودية في الاحتفاظ بعقيدتها الدينية، وفي نفس الوقت أصابت من النجاح الشيء الكثير في الحياة العملية.
أو أن جيل الشباب المسلم هذا يظل مرتهناً وأسيراً لأوهام التمييز والتفرقة، فلا يجني منها إلا الحسرات!!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى