الإلحاد وحقيقته

على صفحات القرآن قابلتُ نفسي لماذا أسلم بروفسور الرياضيات الملحد ؟ -الحلقة الثانية-


“إنه لمن المؤكد حقاً بأن دراسة القرآن ما ضعفت يوماً كما أن إيقاعاته المسيطرة ما فقدت تأثيرها في عقول الناس “ .


افتتح د. جيفري لانغ فصل ” القرآن “ في كتابه ” الصراع من أجل الإيمان “ (ص52) بالعبارة الآنفة عن أثر القرآن في العقول إعجاباً بها وتأكيداً لمضامينها، وهي لأحد كبار المستشرقين في القرن العشرين البريطاني هاملتون جيب.


هذا القرآن يعرفني أكثر من نفسي !


وبعبارات جميلة تأخذ بالألباب لأنها تنبض بالصدق حتى تكاد تصافحه فيها ، وصف بروفسور الرياضيات حالته الفكرية والشعورية حين بدأ رحلة طرح الأسئلة الكبرى التي قادته إلى الإلحاد على القرآن بحثاً عن جواب فيه ، ولنقرأ كلامه حين قرأ القرآن لأول مرة وكان ملحداً وقت ذاك ، يقول ” جيفري لانغ ” :


( إذا ما أخذتَ القرآن بجدية فإنه لا يمكنك قراءته ببساطة ، فإما أن تكون لتوك قد استسلمت له ، أو أنك ستقاومه ، فهو يحمل عليك وكأن له حقوقاً عليك بشكل مباشر وشخصي ، وهو يجادلك وينتقدك ويخجلك ويتحداك ، ومن حيث الظاهر يرسم خطوط المعركة ، ولقد كنتُ على الطرف الآخر في المواجهة ، ولم أكن في وضع أحسد عليه ، إذ بدا واضحاً أن المتكلم بهذا القرآن كان يعرفني أكثر من نفسي… لقد كان القرآن يسبقني دوماً في تفكيري ويُزيل الحواجز التي كنتُ قد بنيتها منذ سنوات ، وكان يخاطب تساؤلاتي .


وفي كل ليلة كنتُ أضع أسئلتي واعتراضاتي ، ولكني كنتُ إلى حد ما ، أكتشف الإجابة في اليوم التالي ، ويبدو أن القرآن كان يقرأ أفكاري، ويكتب الأسطر المناسبة لحين موعد قراءتي القادمة . لقد قابلتُ نفسي وجهاً لوجه في صفحات القرآن وكنتُ خائفاً مما رأيت ، كنتُ أشعر بالانقياد بحيث أشق طريقي إلى الزاوية التي لم تحتو سوى على خيار واحد ) . .


(الصراع من أجل الإيمان ص 34)


عشر آيات قلبت حياتي !


يمضي ” جيفري ” في قراءة القرآن فيتحدث بشكل مبهر عن قصة خلق آدم عليه السلام وحوار الخالق مع الملائكة في شأن ذلك ، مع ملاحظة أنه يحكي هنا عبارات طرأت له عندما كان ملحداً قبل أن يُسلم ، ولهذا سنجد أن سياق الكلام يعبر عن حالته تلك ، يقول ” لانغ ” :


لم أقرأ في حياتي شيئاً سبب لي تشويشاً أكثر من هذه الآيات العشر : ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة …. ” البقرة : 30-39


لم أستطع التوقف لحظة عن التفكير فيها ، كنت أفكر فيها ليل نهار في أثناء الطعام وخلال ذهابي إلى عملي وإيابي منه ، وعندما أجلس وحدي ، وحين أشاهد التلفاز ، ووقت آوي إلى فراشي ، وظللت أقلبها وأراجعها في ذهني محاولاً تجميعها معاً كقطع الأحجية ، وغدت هي المحك عند قراءتي لبقية القرآن ، وكلما أتيت إلى نص يبدو أنه ذو علاقة بموضوع غاية الحياة ، أقارنه بالأفكار التي طُرحت في هذه القصة ، بدأت أشعر رويدا رويدا أني كنت أحل شيئاً من عقدة الأسئلة المتشابكة التي أوجدتها هذه القصة ، ولكني لم أستطع تجميعها في تفسير معقول لوجود الإنسان على الأرض ، كنتُ تواقاً لمتابعة تحقيقاتي وتقصياتي …


فاجأتني الآية الثلاثون من سورة البقرة هذه ، ليس لأنها تبدأ بقصة تتعلق بأول رجل وأول امرأة ، بل بالطريقة التي تعرض بموجبها هذه الحكاية ، وعندما قرأتها شعرت أني وحيد (معزول) وكأن المتكلم دفعني جانباً وألقى بي في فضاء خال صامت كي يحدثني وحدي مباشرة …


حتى الملائكة تسأل ؟


إن الملائكة هم الذين طرحوا السؤال قائلين ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك )


فكأن سؤالهم في الأصل هو سؤالي نفسه : لماذا تخلق يا ربنا أكثر المخلوقات عنفاً واقترافاً للذنوب ؟


لماذا تضع يا رب على الأرض من يحدث فيها خراباً ودماراً ؟


ويكتسب هذا السؤال قوة أعظم ؛ لأنه طرح في السماء … لقد كان سؤال الملائكة هو سؤالي تماماً !! نعم هذا هو اعتراضي !!


لقد غُلفت حياتي كلها في هذه الأسطر !! شعرتُ وكأن القرآن يهز عواطفي ليستفزني …


بدا لي على الفور أن للقرآن برنامجاً آخر ، وأن له رؤية ورسالة مختلفتين كلياً عن فكرة كانت ملتصقة في ذهني نتيجة قراءة قصة الخلق في ” الكتاب المقدس ” وهي أن الحياة على الأرض كانت عقوبة بسبب الخطيئة البشرية التي جرت من آدم ، وليست فرصة لنا لنكون خلفاء في الأرض ، وهنا يظهر الفرق فالقرآن يقول شيئاً مختلفاً : إن آدم خُلق ليصبح خليفة في الأرض ، هذا المعنى يختلف عن فكرة سيطرت علي وهي أن الوجود البشري على الأرض ما هو إلا عقوبة !!


ذكاء آدم وسجود الملائكة !


لقد ظهر لي أن القرآن في هذه القصة المحورية والمهمة يركز على ذكاء الإنسان …


لقد تعجبت للطريقة التي يجمع فيها القرآن هذا القدر الكبير من المعنى في كلمات قليلة ، ولنلاحظ أن آدم لم يُسم الأشياء المحيطة به فحسب، بل إن الله علمه ، الأمر الذي يؤكد على مقدرة الإنسان على التعلم ، وعلى ذكائه ، ولنلاحظ أيضاً ما يتعلمه آدم . إنه يكتسب القدرة على تسمية كل الأشياء ، وعلى وضع رموز لفظية لما يدركه كله ، ولأفكاره جميعها وخبراته ومشاعره .


ويؤكد القرآن على موهبة اللغة دون مواهب الإنسان الأخرى ؛ لأنها على ما يبدو هي الأداة الفكرية المتطورة جداً التي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات الأرضية ، فبفضل اللغة ينمو بنو الإنسان ، أكثر من أي موهبة أخرى ، ويتقدمون ويتعلمون …


تبين قصة خلق آدم بوضوح بروز الذكاء البشري في الجواب عن سؤال الملائكة الذي كان من ضمن أهم أسئلتي أيضاً … لقد نجح آدم حين أخفق الملائكة في تسمية الأشياء مبيناً ذكاءه المتفوق عليهم …




واكتشفتُ الحقيقة الغائبة !


صحيح أن الله خلق في الإنسان القدرة على ارتكاب الخطأ ولكنه منحه صفات أخرى ، لم يستطع الملائكة فهمها ولا تقديرها حق قدرها عندما طرحوا ذلك السؤال …


لقد كانت الملائكة لا تعلم الجانب الآخر من الطبيعة البشرية . صحيح أن بعض الناس يستطيعون ارتكاب أخطاء فادحة ، ولكن آخرين يستطيعون فعل خير عظيم ، وبعض الأفراد قادرون على التضحية بالنفس ، وعلى القيام بأكثر الأعمال عدالة ونبلاً وأوسعها إحساناً وكرماً ، وأشدها دفئاً ولطفاً ، ويستطيع ناس أن يبدوا أعلى درجات الرحمة والعطف تجاه أقرانهم البشر… مثلي كمثل الملائكة لم أفكر بهذا ، لم أر لزمن طويل سوى الجانب المظلم من الشخصية البشرية …


فتساءلت في نفسي : هل الأمر هكذا ؟


هل يقول القرآن : إنه بالإضافة إلى موهبة الذكاء التي منحنا الله إياها ، قد جعل كلاً منا كائناً أخلاقياً ، يفهم الصواب والخطأ ؟


هل يقول القرآن : إن الله زودنا كذلك بإلهام ملائكي وإغواء شيطاني ليعزز وعينا الأخلاقي ؟


هل القرآن يبرز أهمية كوننا مخلوقات نستطيع بل يجب أن نمارس خيارات أخلاقية ؟


والجواب : في القرآن : ( ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ) الشمس : 7-10


.. لم يعد لدي أدنى شك في أن القرآن يعد الشخصية البشرية أعظم من الشخصية الملائكية التي لا تعصي الله أبداً والتي كنت أتمنى لو أن البشر خلقوا على شاكلتها لئلا يرتكبوا الشرور ، إن آية الأمر بالسجود لآدم قد أزالت كل شك عندي في ذلك : البشر أفضل من الملائكة !




أصل الشرور !


وعندما نجح آدم وأخفقت الملائكة قال الله لهم : (اسجدوا لآدم) فسجدوا مظهرين اعترافهم بتفوقه ، والسجود للمخلوق الجديد رمز للخضوع له ، ومع ذلك رفض إبليس أن يسجد ، وبرفضه يبين الله أن أصل نشوء الخطيئة الكبر الزائف المدمر للذات ، وليس أصل الخطيئة كما في القرآن هو المال أو الطمع أو الشهوة .


وبدأت أطرح على نفسي أسئلة :


لنفرض جدلاً وجود إله حق فهل يُعقل أن يرفض الناس عن وعي ما يشعرون أنه حق ؟!


هل يخالفون ضميرهم عناداً ؟!


قلت لنفسي – طبعاً – : كم من مرة أنكرتُ الحقيقة وتلاعبتُ بها لأنغمس في رذيلة شخصية ؟


وكم من مرة سوغتُ أفعالاً تبدو بوضوح وجلاء أنها مدمرة ومحطمة للذات رافضاً أن أعترفُ بأخطائي حتى لنفسي ؟


فقلت لنفسي : إذا كان الله موجوداً فإني بالتأكيد قد تجاهلتُ آياته ، ولكن (إذا) هذه كبيرة ، وأدركتُ أني أخوض معركة ، فإن كانت قادتني هذه الآيات العشر إلى هذا الكرب ، فلا بد أن التحدي الذي ينتظرني سيكون كبيراً في باقي القرآن .. إني أواجه خصماً فائق القدرة ).


انتهى النقل باختصار وتصرف من كتاب ” ضياع ديني ” (ص 39 – 52) .






الصدق مع الله ..


أكثر شيء شدني في كلام هذا البروفسور هو صدقه مع الله ، ولعلكم لاحظتم كيف تنبه إلى خطورة خطيئة (الكبر) ، وكيف توصل إلى أنها أعظم حاجب يحول دون الوصول إلى الحقيقة ، وليعالج نفسه من هذا الداء حمل عليها يقرعها بأسئلة مخجلة ، ثم سجل اعترافه بكل شفافية بأنه يعرف من نفسه معاندة الحقيقة ورفضها ، وهنا فقط تذكرت كلامه الرائع جداً حين قال : ( والقرآن شأنه شأن العديد من كتب المعرفة ، يتطلب استعداداً كي يستفيد المرء مما يحتويه إلى أبعد درجة ممكنة ، والذين سوف يحظون بالفوز العظيم هم أكثر الناس صدقاً مع الله ) (حتى الملائكة تسأل ص 44) .


نعم إن القرآن يتطلب استعداداً ، وهذا الاستعداد هو الصدق مع الله ، ومن مشمولاته الصدق مع النفس ، هذا الرجل هُدي للحق – في ظني – بسبب صدقه أولاً ، ولا تزال أسئلته تؤثر في وجداني لأبعد حد وهو يقول :


كم من مرة أنكرتُ الحقيقة وتلاعبتُ بها لأنغمس في رذيلة شخصية ؟


وكم من مرة سوغتُ أفعالاً تبدو بوضوح وجلاء أنها مدمرة ومحطمة للذات رافضاً أن أعترفُ بأخطائي حتى لنفسي ؟


ما أصعب على النفس أن تعترف بمكابرتها وهي التي تعيش دائماً في محيط أوهامها التي تسول بها الأخطاء ..


إن اللحظة الفارقة في حياة أي إنسان .. هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة ، حين يسأل نفسه تلك الأسئلة التي تدك حصون (الكبر) بداخله.


وسنواصل إن شاء الله في الحلقة القادمة رحلة بروفسور الرياضيات مع القرآن ، وتدبره لمعنى الحياة وغايتها وكيف اكتشف ذلك في القرآن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى