محمد

الحكم البليغة والمقاصد الحسنة في تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم .

 

بعد أن تحدثنا عن زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خصه الله به في ذلك ، فقد آن الأوان لإبراز القيم الحضارية النبيلة ، والمقاصد الشرعية الجليلة ، في تعدد زوجاته الطاهرات رضي الله عنهن ، ثم نحاكم تهمة صلى الله عليه و سلم الشهوانية ) التي رمي صلى الله عليه وسلم بها إلى تلك القيم والمقاصد التي كان يهدف إلى تحقيقها في زيجاته ، كي نرى مدى التباعد بين سلوك الرسول صلى الله عليه و سلم و السلوك الشهواني ) الذي يلهث وراء النساء يتخير منهن ملكات الجمال من الأبكار والصغيرات السن ، كلما كبرت منهن واحدة بدل بها غيرها ، وبين صاحب مشروع حضاري فيه سعادة البشرية في الدنيا والآخرة ، أنيط عليه أمانة تبليغ رسالة الله وتزكية نفوس الخلق ، وتعليمهم كل شيء في حياتهم ، كما قال تعالى مبينا وظيفته الشريفة صلى الله عليه وسلم : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [1]، فانتخب من نساء زمانه أوعية للعلم ونواقل للآداب ، ومعينات على الطاعة ، وسفيرات للنساء عند بيت النبوة الكريمة ، ولكل حادثة من حوادث زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهن حديث ينم عن حكمة ومقصد .

وقد قسم العلامة محمد بن علي الصابوني الحكم والمقاصد التي من أجلها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العدد من النساء إلى أربعة أقسام وهي : الحكم التشريعية ، والحكم التعليمية ، والحكم الاجتماعية ، والحكم السياسة ، وسوف نتابعه في هذا التقسيم الذي لم نر من سبقه إليه ، لكن سنزيد في الأمثلة والشواهد والتعليقات بحسب ما يتطلبه المقام من المقال والله ولي التوفيق . [2]


أولا : الحكمة التشريعية :

بعث الله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده ، وأن يقوم الناس بالقسط في أخلاقهم ومعاملاتهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ ما أنزل إليه من ربه بقوله وفعله ، وتقريره ، وقد كان من عادة العرب في الجاهلية التبني ، وقد تابعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم ينزل من الله في ذلك شيء بعد ، حيث تبنى زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي اختار صحبته وترك أباه وقومه في قصة طويلة… حتى أصبح يدعى زيد بن محمد .

ولما في هذه العادة الجاهلية من المفاسد الدينية والدنيوية نهى الله عنها وأبطلها بتدبير منه سبحانه وتعالى ، وكان الله تعالى قد أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على شيء من ذلك ، قال تعالى : {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [3]، إذن فزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش لم يكن بمحض إرادته بل كان أمرا من الله تعالى لا يملك أمامه أي خيار.


ثانيا : الحكمة التعليمية :

الحكمة الثانية من حكم تعدد زوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هي الحكمة التعليمية ، حيث كان صلى الله عليه وسلم يبلغ دين الله إلى جميع الناس رجالا ونساء صغارا وكبارا ، ويعلمهم ما أوجب الله عليهم من أحكام العبادات وسائر المعاملات ، ونظرا لما فطر عليه النساء المؤمنات من الحياء ، ولما اتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمو الأخلاق وعفة اللسان ، ناسب أن يتوفر عنده من نساءه أوعية للعلم ، وحملة للآداب ينقلن عنه الأحكام الخاصة بالنساء ، وما يتعلق بأحكام العشرة بين الزوجين ونحوها ، صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم فعن عائشة رضي الله عنها : أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض ، فأمرها أن تغتسل قال : صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم خذي فرصة من مسك فتطهري بها )) ، قالت كيف أتطهر؟ قال : صلى الله عليه و سلم تطهري بها )) قالت : كيف؟ قال : صلى الله عليه و سلم سبحان الله تطهري )) ، فاجتبذتها إلي فقلت : تتبعي بها أثر الدم )) . [4]

ومثل هذه الوقائع كانت تتكرر في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كانت النساء يقصدنه لطلب العلم وسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤال زوجاته أمور دينهن ودنياهن.

وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أيضا تنقل العلم والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبلغها للنساء والرجال بواسطة زوجاتهم ، صلى الله عليه و سلم فعن معاذة عن عائشة قالت: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء ، فإني أستحييهم ، وإن رسول الله كان يفعل ذلك )) [5].

ومن يستطيع أن يطلع على هذه السنن والهدى غير أهل بيته من زوجاته الطاهرات رضيّ الله عنهن.

وللمناسبة فإن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مدار هذين الحديثين تعد من المكثرين في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت متميزة بوفرة العقل وحدة الذاكرة رضي الله عنها، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط ، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما . [6]


ثالثا: الحكمة السياسية :

ومن الحكم أيضا في تعدد أزواج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بتدبير شؤون الناس بما يصلحها، سواء ما تعلق بما يربطه بأتباعه والمؤمنين من أمته، أو ما تعلق بغيرهم ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي في جميع تصرفاته السياسية ما يحقق المصلحة ويكثرها ، وما يدفع المفسدة ويقللها ، وقد أدرك صلى الله عليه وسلم أن المجتمع العربي في ذلك الزمن مجتمع قبلي، يوالي فيه الفرد ويعادي من توالي أو تعادي القبيلة ، وينصر فيه الإنسان أخاه ظالما أو مظلوما ، و يتابع المرء قومه إن على الحق ، أو على الباطل .

فعمد صلى الله عليه وسلم إلى ما في القبلية العربية من فوائد فرام تحصيلها ، فأمر بنصرة الأخ ظالما أو مظلوما على الوجه الذي يقره الشرع ، بأن ينصر الظالم و يأخذ على يديه وينتزع منه حقوق الناس التي سلبها إياهم ، وينصر المظلوم بالسعي للمطالبة بحقوقه ، كما أرشدهم إلى اتباع الحق ولو خالفك فيه من خالفك من قومك وأهل قرابتك .

ومن هذا الباب كان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان رضيَ الله عنهما لما تنصر ومات زوجها عبيد الله بن جحش في الحبشة ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ليخطبها له ، ففرحت بذلك رضي الله عنها، وفرح أبوها أبو سفيان .

ولا يخفى على قارئ السيرة النبوية ما كان لأبي سفيان من درجة ومنزلة في قومه ، وما كان للمصاهرة عند العرب وغيرهم من آثار اجتماعية ، فهي إحدى وشائج القرابة بين الناس، ومن أسباب التراحم و التوادد بينهم ، لاسيما إذا أدى الطرفان ما عليهما من حقوق وواجبات .

وقل مثل ذلك في زواجه بجويرية بنت الحارث ، فقد كانت من الأسيرات في غزوة بني المصطلق ، صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إكرام هذا الصنف من النساء ، فسوى بينهن وبين الحرائر ، وضرب للناس أروع الأمثلة على سماحة الإسلام ، فأزال من الأذهان ما كان قد علق بها من احتقار للإماء ، واتخاذهن فقط للبيع أو للخدمة ، وحرمانهن من نعمة العتق إلا بالمكاتبة وشراء أنفسهن من مالهن ، فتعلم المسلمون من هذه الزيجة كيفية صيانة سيدات الأسر الكريمة بين قومها، ورحمة عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر ، وقد زخر التاريخ الإسلامي بعد هذا بالسبايا اللائي تزوجهن أسيادهن من الخلفاء والأمراء والسادة والكبراء ، وأنجبن الخلفاء والأمراء والقادة والعظماء وتأمل ذلك في تاريخ خلفاء بني العباس )) . [7]

وهناك حكمة سياسية أخرى مهمة تظهر في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ، وهي الرد على تهمة عنصرية النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام ضد اليهود أو غيرهم ، وكان ذلك إثر هزيمتهم في خيبر ، فقد دل هذا الزواج على أن العنصرية لم تكن واردة في قاموس رسول الله صلى الله عليه وسلم السياسي و الاجتماعي، و إلا فكيف يتزوج من ابنة زعيم من زعماء اليهود مات هو وزوجها وأخوها في صراعهم ضده صلى الله عليه وسلم .


رابعا: الحكمة الاجتماعية :

كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وزيرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوكلهما بتنفيذ كثير من المهام، ويستشيرهما في عويص المسائل والقضايا، وقد يحتاجان الدخول عليه في أوقات لا يدخل فيها أحد على أحد ، إلا من كان من بطانته و خاصته ، وقد كانا بحق كذلك ، وليس من شك في تأثير آصرة المصاهرة على مرونة العلاقة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه .

انظر إلى حادثة الهجرة وكيف رتب لها في بيت أبي بكر رضي الله عنه بكل سرية وأمان ، حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من مكة ، ومازالت قضية الهجرة بيد أفراد أسرة أبي بكر تخطيطا و تنفيذا ومتابعة ، ما بين إيصال للطعام وأخبار قريش تتولاها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ، وتعمية لمن يطارد الرسول وأبا بكر يقوم بها راعي غنم أبي بكر مولاه عامر بن فهيرة ، وهكذا .

واقرأ إن شئت من سيرة الفاروق رضي الله عنه ما يدلك على عنايته الفائقة بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتابعته الدقيق لما يحدث فيه ، و هو الذي رأى أن يحجب رسول الله نسائه فنزل القرآن فوافقه على ذلك .

كل ذلك وغيره من الآثار يعد من نتائج وعلل زواجه صلى الله عليه وسلم بابنتي وزيريه أبي بكر وعمر عائشة وحفصة رضي الله عنهم جميعا .

وكذلك زواجه صلى الله عليه وسلم بأم سلمة رضي الله عنها وهي أرملة عبد الله بن عبد الأسد من السابقين الأولين ، واستشهد في غزوة أحد وخلف أيتامها الأربعة ، ولم ير عليه السلام عزاء – ولا كافل لها ولأولادها – غير أن يتزوج بها .

فتزوجها بعد موافقتها ، وقام على تربية أيتامها ، ووسعهم قلبه الكبير ، حتى أصبحوا لا يشعرون بفقد الأب ، إذ عوضهم أبا أرحم من أبيهم صلوات الله وسلامه عليه . [8]

—————————————–


[1]سورة الجمعة الآية 1

[2]شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول ص 13

[3]سورة الأحزاب الآية 37

[4]صحيح البخاري ( 1/ 119 )

[5]سنن الترمذي ( 1 / 30 )

[6]سنن الترمذي ( 5 / 705 )

[7]السيرة النبوية وفق المصادر الأصلية ص 704

[8]شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول ص 50 فما بعدها …

————————————————————————————

المصدر

موقع نصر الرسول صلي الله عليه و سلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى