حقيقة الإسلام

شهادة إنصاف للإسلام ورسوله من المستشرقة الإيطالية (لورا فيشيا)

لقد درج بعض المستشرقين واعتادوا أن يكتبوا عن الإسلام وكتابه العظيم القرآن الكريم، ونبيه الخاتم محمد ﷺ وسيرته وسنته ودعوته إعجابًا وانبهارا، وإنصافا للحقيقة، وانتصارًا للفضيلة واختلفت كتابات هؤلاء الكتاب في درجة الإنصاف ما بين معتدل منصف ومفرط حاقد ظالم، ومن هؤلاء الكتاب المستشرقة الإيطالية الدكتورة لورا فيشيا فاغليري (١)، حيث صدر لها كتاب قيم بعنوان (دفاع عن الإسلام) (1) وهو يُعَدُّ من أهم الكتب الاستشراقية – إن لم يكن أهمها –

  التي اهتمت بالدفاع عن الإسلام ورسالته وهو موجز سهل في أسلوبه، ونفيس رائع في موضوعه، ويَسُدُّ حاجة ماسة ومُلِحَّة لدى الأحرار المنصفين، وقد ترجم إلى العديد من اللغات كالإنجليزية والألمانية والعربية، وترجمه إلى اللغة العربية المفكر اللبناني الأستاذ منير البعلبكي (۳) وقد كانت لورا فيشيا في كتابها هذا – مع ما وُجِدَ عندها من زلات من أكثر المستشرقين اعتدالا في كتابتها، إن لم تكن أكثرهم.

ولا غرابة ولا عجب في أن تأتي شهادة للإسلام على يد بعض أعدائه أو مخالفيه، وكأن لسان الحال والمقال يقول: إن قَدْرَ الإسلام  العظيم مما لا يخفى على أحد، ومما يتعدى نطاقه إلى غير أتباعه المؤمنين به؛ ليشمل المتطلعين إلى صفات الخير والبر والحب والجمال، والذين رأوا في تعاليمه وأحكامه وسماحته تجسيدًا حياً دائم الإشعاع لعظيم الصفات ونبيل الأخلاق ومستمر الإفاضة والإمداد بأجمل الفضائل والعطاءات، وأحسن الفيوضات والخيرات.

ومن يتتبع كتابات (لورا فيشيا) في كتابها هذا في الدفاع عن الإسلام يجد أنها قد اتسمت في كثير من الأحيان بالموضوعية والإنصاف والاعتدال، وقد جاءت مؤيدة في كثير من المواضع بالأدلة والبراهين من القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة والتاريخ، وأفضل ما تكون الشهادة حينما تأتي من مخالف محايد أو عدو منصف، ولله در السَّرِي الرَّفَّاء حيث قال: وشمائل شَهِدَ العدو بفَضْلِها

والفضل ما شَهِدَتْ به الأعداء )

ولا غرابة ولا عجب في إدلاء بعض المستشرقين وتصريحهم بهذه الشهادات العادلة المنصفة؛ لأن الله – عز وجل – ناصر دينه، ولو كان ذلك النصر على يد الرجل الفاجر كما جاء عن النبي ﷺ في قوله: «إنَّ الله يُؤَيِّدُ هذا الدين بـ الدِّينَ بالرَّجُل الفاجر ) .

وانطلقت لورا فيشيا في كتابها من موقف الإعجاب بالإسلام ورسالته، وما يقدمه للإنسانية من نموذج فريد، ومنهج بديع، وقيم نبيلة، محاولة الاقتراب من الأدلة الصحيحة والصادقة، ومبتعدة عما تنسجه وترسمه كتابات بعض الغربيين من خيالات وأكاذيب وافتراءات عن الإسلام ووسطيته وسماحته.

وتحدثنا الكاتبة عن البيئة التي نشأ فيها الإسلام، وسرعة انتشاره، ودخول الناس فيه أفواجا بسبب وسطيته ويسره وتوافقه مع الفطرة الإنسانية الصحيحة، ويسبب تعاليمه السمحة التي غيرت مجرى التاريخ، وحررت البشرية من ظلم الطغاة واستبدادهم، والتي تجمع الإنسانية على كلمة سواء، وتأخذ بأيديهم إلى السعادة في الدارين، فتقول: نشأ الإسلام مثل ينبوع من الماء الصافي النمير وسط شعب همجي، يحيا في بلاد منعزلة جرداء بعيدة عن ملتقى طرق الحضارة والفكر الإنساني، وكان ذلك الينبوع غزيرا …. وفي تلك المواطن التي ذاق فيها القوم طعم تلك المياه الأعجوبية (1) سويت المنازعات، وجمع شمل الجماعات المتناحرة، وبدلا من الثأر الذي كان هو القانون الأعلى، والذي كان يشد العشائر المتحدرة من أصل واحد في رابطة متينة، ظهرت عاطفة جديدة، هي عاطفة الأخوة بين أناس تشد بعضهم إلى بعض مثل عليا مشتركة في الأخلاق    

والدين، وما إن أمسى هذا الينبوع نهرا لا سبيل إلى مقاومته حتى طوق تياره الصافي ممالك جبارة تمثل حضارات قديمة … ومن العسير على المرء أن يُقدر السرعة التي حقق بها الإسلام فتوحه، وتَحَوَّلَ بها من دين يعتنقه بضعة نفر من المتحمسين إلى دين يؤمن به ملايين الناس )

ورَدَّتْ لورا فيشيا ورفضت الفرية المزعومة التي اختلقها أعداء الإسلام، وأرادوا أن ينسبوها إليه زورا وبهتانا، والإسلام منها بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وهي فرية انتشار الإسلام بالسيف، واتخاذه وسيلة لانتشاره السريع، وأفادت أن الإسلام ما انتشر إلا بسماحته ولا سيما مع أتباع الملل الأخرى ويسره وعدالته، وأنه دين عالمي، وأنه لم يلجأ إلى الحرب إلا في حدود الاضطرار، ومن أجل الدفاع لا العدوان، فقالت: لقد تجلى أمام عيون العالم المندهش دين جديد بسيط سهل، يخاطب القلب والعقل جميعا

إن مثل هذه الرسالة كان يتعين عليها أن تكون رسالة عالمية لجميع أفراد الجنس البشري من غیر تمييز، وعلى اختلاف الجنسيات والأوطان -والأعراق، لقد كان أولئك ) إما عُمْيًا، وإما غير راغبين في أن يروا، لقد راح أولئك الناس يشيعون أن جوهر الإسلام كان العدوان العنيف، لقد زعموا أنه كان دينا فرض بالسيف، ولقد اتهموه

باللا تسامح … أما إذا زعموا أن الحرب القدمين كانت هي السبيل الضرورية لفرض العقيدة، وإن الحاجة إلى الفتوح كانت جزءًا أساسيا من طبيعة الدين الإسلامي نفسها، فعندئذ يتعين علينا ان نرفض الاتهام؛ لأن فى استطاعتنا أن نقيم الدليل استنادًا إلى القرآن وسنن النبي نفسه على ان ذلك بهتان كامل … كانت الحرب ضد الأعداء الخارجين ضرورة من ضرورات العصر … لقد كانت الحرب دائما وسيلة لحماية الدين الجديد وتعظيمه، لا غاية في ذات نفسها، كانت دفاعاً ضروريا لا عدوانا جائرا ).

وأشارت الكاتبة إلى أن الإسلام لم يفرض الجزية على أتباع الملل الأخرى من أهل البلاد المفتوحة إلا في مقابل إعفائهم من التجنيد ومنحهم الحق والحرية في أن يظلوا على معتقداتهم، وأن يتكفل المسلمون بحمايتهم، هذا بالإضافة إلى أنها أقل مما يفرض على المسلمين من ضرائب، أما إذا شارك هؤلاء في التجنيد وحماية الوطن كما هو ظاهر في عصرنا فإنهم يعفون منها، تقول: وبفضل هذه الاتفاقات مُنحت تلك الشعوب حرية الاحتفاظ بأديانها القديمة، وتقاليدها القديمة شرط أن يدفع الذين لا يرتضون الإسلام دينا ضريبة عادلة إلى الحكومة تعرف بالجزية، لقد كانت هذه الضريبة أخف من الضرائب التي كان مسلمون ملزمين بدفعها إلى حكومتهم نفسها

ومقابل ذلك منح أولئك الرعايا المعروفون بأهل الذمة حماية لا تختلف في شيء عن تلك التي تمتعت بها الجماعة الإسلامية نفسها … وكان المسلمون لا يكادون يعقدون الاتفاقات مع الشعوب حتى يتركوا لها حرية المعتقد، وحتى يحجموا عن إكراه أحد من أبنائها على الدخول في الدين الجديد

وذكرت أن ما اتهم به أعداء الإسلام وخصومه النبي محمدا من تهم زائفة ما هي إلا من قبيل الكذب والافتراء والجهل وبدافع الحقد، ونسوا – أو تناسوا – أنه كان معروفًا بين قومه بصدقه وأمانته وحسن سيرته، فقالت: و حاول أقوى أعداء الإسلام – وقد أعماهم الحقد – أن يرموا نبي الله ببعض التهم المفتراة، لقد نسوا أن محمدا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته (١١).

وذكرت أيضًا أن النبي ﷺ كان موضوعياً في دعوته، فلم يلجأ إلى التأثير على الناس بالخرافات والأساطير التي تشل العقل، وتعطل التفكير، وإنما دعاهم ووجه أنظارهم إلى التأمل في الكون وما فيه من بدائع وحكم وأسرار تقود العقل السليم إلى الإيمان بالله – عز وجل الواحد الأحد، والإذعان وإسلام الوجه له، فقالت: ولم يلجأ الرسول – لكي يقود الناس

إلى الإيمان بإله واحد إلى استهوائهم بروايات عن أحداث تنحرف عن سبيل الطبيعة الشوي تلك الأحداث التي تدعى معجزات ولم يُكْرِهم على التزام السكينة باصطناع التهديدات السماوية التي لا تؤدي إلا إلى تعطيل قدرة الإنسان عن التفكير، بل لقد دعاهم ببساطة ومن غير أن يُكلفهم الابتعاد عن عالم الحقيقة، إلى التفكير في الكون وستيه …. ومن هنا فإن أول واجبات الإنسان أن يتدبر ظواهر الطبيعة وأن يتأمل فيها؛ لكي ينتهي إلى الإيقان بوجود الله (١٢).

وذكرت كذلك أن معجزة الإسلام العظمي هي القرآن الكريم المقطوع بصحته وتواتره والذي انقطعت الأطماع دون محاكاته، والذي انفرد ينظمه البديع المعجز، وأسلوبه الفريد وتأثيره العجيب، واطراد ذلك في كل سوره وآياته مع ما فيها من اختلاف في الأفكار والموضوعات وتكرار لبعض الألفاظ أو الآيات، ونفت أن يكون هذا الكتاب العزيز من صنع النبي الأعظم ، فقالت: إن معجزة الإسلام العظمى هي القرآن الذي تنقل إلينا الرواية الراسخة غير المنقطعة من خلاله أنباء تتصف بيقين مطلق أنه كتاب لا سبيل إلى محاكاته، إن كلا من تعبيراته شامل جامع ومع ذلك فهو ذو حجم مناسب، ليس بالطويل أكثر مما ينبغي، وليس بالقصير أكثر مما ينبغي أما أسلوبه فأصيل فريد، وليس ثمة أيما نمط

لهذا الأسلوب في الأدب العربي الذي تحدر إلينا من العصور التي سبقته، والأثر الذي يحدثه في النفس البشرية إنما يتم من غير أيما عَوْنٍ عرضي أو إضافي من خلال سموه السليقي، إن آياته كلها على مستوى واحد من البلاغة …. إنه يكرر قصص الأنبياء، وأوصاف بدء العالم ونهايته، وصفات الله وتفسيرها، ولكنه يكررها على نحو مثير إلى درجة لا تضعف من أثرها، وهو ينتقل من موضوع إلى موضوع من غير أن يفقد قوته، إننا نقع هنا على العمق والعذوبة معا …. فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب المعجز من عمل محمد ﷺ وهو العربي الأمي … ولهذه الأسباب كلها لا يمكن للقرآن أن يكون من عمل رجل غير مثقف، قضى حياته كلها وسط مجتمع جاف بعيد عن أصحاب العلم والدين وأشارت الكاتبة إلى قضية مهمة كانت ولا تزال – أهم أسباب سرعة انتشار الإسلام، وهي وسطية العقيدة الإسلامية وبساطتها ووضوحها وسهولة فهمها وتعقلها، فقالت: وبينما نجد جميع الأديان الأخرى تقدم إلى أبنائها حملا ثقيلا من العقائد التي لا يستطيعون حملها وفهمها، نرى الإسلام ذا سهولة معجزة، وبساطة نقية كالبلور، وكان ذلك سببًا آخر أيضًا في انتشاره السريع …. لأن الإسلام قادر على النفاذ إلى أعماق نفوسهم من غير ما لجوء إلى شروح مطولة أو عظات معقدة

وأشارت أيضا إلى قضية مهمة كذلك بعد أن ذكرت بعض أسرار وفوائد العبادات والشعائر الإسلامية، وهي سهولة أداء هذه العبادات ويسر تعقلها، فقالت: «فإن الله لم يفرض على الإنسان مجموعة من القوانين يعجز عن احتمالها، ولم يفرض عليه في أي من الشعائر قواعد جامدة قاسية؛ لأنه يريد بالناس اليسر (١).

وذكرت الشبهة الفاحشة التي كثيرا ما يثيرها مرضى النفوس وضعاف العقول، وهي تصوير النبي الأكرم بسبب تعدد زوجاته بأنه رجل شهواني، الأمر الذي لا يتفق مع طبيعة رسالته، وردت على هذه الشبهة بأن النبي الأعظم ﷺ لم يكن كذلك، وحاشاه أن يكون كذلك، بدليل أنه قضى زهرة شبابه مع زوجة واحدة وهي السيدة خديجة رضي الله عنها – التي كانت تزوجت قبله مرتين كانت تكبره بخمسة عشر عاما، وعاش معها وحدها خمسة وعشرين عاما حتى بلغ الخمسين من عمره، ولم يتزوج غيرها إلا بعد وفاتها، هذا بالإضافة إلى أن تعدد الزواج في ذلك الوقت كان هو القاعدة

وأن كل زيجة من زيجاته كان لسبب اجتماعي أو سياسي، وبقصد إنشاء علاقات زوجية مع بعض القبائل والعشائر ابتغاء شق طريق جديد لانتشار الإسلام )

وأشارت إلى ما ادعاه الأعداء على الإسلام بأنه يقف حجر عشرة ضد التقدم العلمي والثقافي، ورَدَّتُ بأن الإسلام ليس كذلك، وأنه دعا إلى طلب العلم، وأمر به، وأن الحضارة الغربية اقتبست واستفادت كثيرا من الحضارة الإسلامية، فقالت: «كيف نستطيع أن نقول: -إن الإسلام عاق نمو الثقافة في القرون السالفة ونحن نعلم أن بلاطات الإسلام ومدارسه . كانت آنذاك منارات ثقافة لأوروبا الغارقة في ظلمات القرون الوسطى، وأن أفكار الفلاسفة العرب بلغت آنذاك منزلة رفيعة جعلت العلماء الغربيين يقتفون آثارهم؟ فعندئذ لا نستطيع أن نقول: إن من طبيعة دينهم أن يخلق عقبات في طريق تقدم العلم  .

وفي نهاية الكتاب تشير الكاتبة إلى مركزية القرآن الكريم في حياة الأمة الإسلامية، وترشد المسلمين إلى سبيل نجاحهم وطريق فوزهم وفلاحهم، وهو العودة إلى القرآن الكريم والعمل بتعاليمه فتقول: فإلى الكتاب العزيز ….. إلى هذا المصدر الصافي دون غيره سوف يرجع المسلمون، حتى إذا نهلوا مباشرة من معين هذا الكتاب المقدس فعندئذ يستعيدون قوتهم السابقة من غير ريب (١٨).

وفي الختام لا يسعني إلا أن أدعو الأحرار والمنصفين من الغرب إلى قراءة هذا الكتاب النفيس الذي يمثل دفاعا عن الإسلام ورسوله.

الكاتب : أ.د : طلعت عبدالله أبوحلوة – مجلة الأزهر نوفمبر 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى