الإعجاز العلمي في القرآن

الزعم بالقدرة على الإتيان بمثل القرآن

 

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا}: قالها المشركون من قبلهم، ولم يفعلوا. واليوم يتطاول المشكِّكون ويزعمون أن القرآن ليس بمعجزة لغوية، وأن من زاول شيئًا من صناعة الشعر والكتابة، وآنس من نفسه اقتدارًا في البيان، يستطيع أن يأتي بمثل القرآن!

 

فلماذا لم يفعلوا من قبلكم؟!

 

ولماذا لم تفعلوا أيها المدَّعون؟!

 

1) إن الذي يدَّعى هذه الشبهة قد وسوس له شيطان الإعجاب بنفسه والجهل بالقرآن أنه يستطيع أن يأتي بمثل أسلوبه، وإن ادّعاءه لا يقوله أحد من الكبار العالمين، وإنما يعرض ـ إن عرض ـ للأغرار الناشئين. ومثل هذا دواؤه عندنا نُصْحٌ نتقدم به إليه أن يُطيل النظر في أساليب العرب، وأن يستظهر على فهمها بدراسة طرف من علوم الأدب؛ حتى تستحكم عنده ملكة النقد البياني، ويستبين له طريق الحكم في مراتب الكلام وطبقاته، ثم ينظر في القرآن بعد ذلك.

 

وأنا له زعيم بأن كلَّ خطوة يخطوها في هذه السبيل ستزيدُه معرفة بقدره، وستَحُلُّ عن نفسه عقدة من عقد الشك في أمره؛ إذ يرى هنالك أنه كلما ازداد بصيرة بأسرار اللغة، وإحسانًا في تصريف القول، وامتلاكًا لناصية البيان، ازداد بقدر ذلك هضمًا لنفسه، وإنكارًا لقوته، وخضوعًا بكليّته أمام أسلوب القرآن، وهذا قد يبدو لك عجبًا أن يزداد شعور المرء بعجزه عن الصنعة بقدر ما تتكامل فيها قوته، ويتَّسع بها علمه.

 

ولكن لا عجب فتلك سُنّة الله في آياته التي يصنعها بيديه: لا يزيدك العلم بها والوقوف على أسرارها إلا إذعانًا لعظمتها، وثقة بالعجز عنها، ولا كذلك صناعات الخلق؛ فإنّ فضل العلم بها يُمكِّنك منها ويفتح لك الطريق إلى الزيادة عليها؛ ومن هنا كان سَحَرةُ فرعون هم أول المؤمنين بربِّ موسى وهارون.

 

2) فإن أبَى المغرور إلا إصرارًا على غروره، وكَبُرَ عليه أن يُقرَّ بعجزه وقصوره، دعوناه إلى الميدان، ليُجرِّب نفسه، ويبرز قوته، قائلين له: أخرج لنا أحسن ما عندك لننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. غير أننا نَعظُه بواحدة أخرى: ألاّ يخرج على الناس ببضاعته حتى يطيل الرويَّة ويُحْكِم الموازنة. وحتى يستيقن الإحسان والإجادة، فإن فعل ذلك كان أدنى أن يتدارك غلطه، ويُوارى سَوْءَتَه، وإلاَّ فقد أساء المسكين إلى نفسه من حيث أراد الإحسان إليها.

 

3) وإنَّ في التاريخ لعبرًا تُؤْثَرُ عن أناس حاولوا مثل هذه المحاولة فجاءوا في معارضة القرآن بكلام لا يُشبه القرآن، ولا يُشْبه كلام البشر، بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة بادٍ عواره، باقٍ عاره وشناره، فمنهم عاقل استحيى أن يُتمَّ تجربته فحطَّم قلمه وصحيفته1، ومنهم ماكر وجد الناس في زمنه أعقل من أن تروج فيهم مثل هذه التُّرَّهات أو تنطلي عليهم؛ فطوى صُحفه وأخفاها إلى حين2، ومنهم طائش مستهتر برز بها إلى الناس فكان سخرية للساخرين، ومثلاً للآخرين3.

 

فمن حدثته نفسه أن يعيد هذه التجربة مرة أخرى فلينظر في تلك العبر، وليأخذ بأحسنها، ومن لم يَسْتَحِ فليصنع ما يشاء4.

 

4) لقد سجَّل التاريخ عجز أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؛ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمَّة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها، حتى أدركت هذه اللغة أشدها، وتمّ لهم بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها؟

 

ورغم ذلك التفوق تحدَّاهم القرآن أفرادًا وجماعات، وكرَّر التَّحدى في صور شتى، متهكِّمًا بهم متنزِّلاً معهم إلى الأخف فالأخف: فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة فقال عز وجل:{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء: 88)، وقال عز وجل: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (البقرة:24) فانظر أى إلهاب، وأي استفزاز: لقد أجهز عليهم بالحكم الباتِّ المؤبَّد في قوله (وَلَن تَفْعَلُواْ)، ثم هددهم بالنار، ثم سوَّاهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته، وهم الأعداء الألدَّاء، وأباة الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم. ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سُلَّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طَوْد شامخ، فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الخوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك حيلة يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا بالقلم واللسان.

 

ومضى عصر القرآن والتحدي قائم ليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفى البادية وأطرافها أقوامٌ لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن على ما عجز عنه أوائلهم؛ لفعلوا، ولكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعِل بأشياعهم من قبل.

 

ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد كانوا أشد عجزًا، وأقل طمعًا في هذا المطلب العزيز فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، وكان برهان الإعجاز قائمًا أمامهم، لا يزال هذا دأب القرآن إلى أن تقوم الساعة5.

 

وهذا التحدي القرآني باقٍ ما دامت السماوات والأرض: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(البقرة: 23). هيَّا جَرِّبوا، {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24).

 

*********************************

 

(1) يُعْزى شئٌ من ذلك لابن المقفع، ولأبى الطيب، وللمعرى، والظَّنُّ بهؤلاء أنهم كانوا في غنى بعقولهم وأذواقهم بما يمنعهم من الشروع في هذه المحاولة، إلا أن يكون على حد: (ولَكِنْ ليَطْمئِنَّ قَلْبى).

 

(2) من ذلك ما اشْتُهر عن تلك الكتب التي وضعها زعماء فرقتي “القاديانية” “والبهائية”؛ لتكون دستورًا دينيًّا لهم كالقرآن، وقد لفَّقوها تلفيقًا ركيكًا من آيات قرآنية وكلمات عاميّة، وبدّلوا فيها أصول الإسلام وفروعه، وادّعوا فيها لأنفسهم النبوة أو الألوهية، ولكن أتباعهم لم يجسروا أن يذيعوا تلك الكتب وشمس العلم طالعة، فأخفوها إلى أن يجيء وقت يَفْشُو فيه الجهل بالعلوم والآداب، وتَسْتَعِدَّ فيه النفوس لقبول أمثالهم. فلينتظروا آخر الدهر.

 

(3) من أمثلة ذلك أخبار مُسيلمه الكذَّاب الذي يقول: “والطَّاحنات طحنًا،. والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا”!! وذلك الرجل الذي أدّعى النبوة وزعم أنه أوحى إليه بأفضل من القرآن في مثل قوله تعالى:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} فقال: “إنا أعطيناك الجماهر، فصلِّ لربك وجاهر، ولا تطع كل ساحر وكافر”، فأمر به خالد بن عبد الله القسرى فضُرِب عنقه وصُلِبَ على عود، فمرَّ به أحد الشعراء فقال له ساخرًا: “إنا أعطيناك العمود، فصلِّ لربك على عود، وأنا ضامن ألاّ نعود” (انظر: الفوائد المشوق، ابن القيم، ص172: 174، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/61). وفى عصرنا هذا برز علينا من يزعم أنه يستطيع أن يأتى بمثل القرآن، فألف هذه السورة ـ إن جاز التعبير: “قل يا أيها الذين آمنوا إن كنتم تؤمنون بالله حقًّا، فآمنوا بى ولا تخافوا، إن لكم عند الله جنّات نُزلاً فلأسبقنكم إلى الله لأعدَّها لكم، ثم لآتينكم نَزْلة أخرى، وإنكم لتعرفون السبيل إلى قبلتى العليا، فقال لهم توما الحوارى: مولانا إنا لا نملك من ذلك علمًا فقال عيسى: أنا هو الصراط إلى الله حقًّا ومن دونى لا تستطيعون إليه سبيلاً، ومن عرفنى فكأنما عرف الله، وإنكم منذ الآن تعرفونه وتبصرونه يقينًا”.

 

ولا يخفى على القارئ ما في النِّص من تلفيق فضلاً عن ركاكة الأسلوب وفساد العبارة؛ فأما التلفيق فواضح حيث إننا نقول لصاحب هذا النص المنحّل: هل كان النص زمن عيسى عليه السلام؟ فإذا كان هذا النص، فكيف يتحدى القرآن الناس ولم يخرج هذا الذي يفوق القرآن من أتباع عيسى عليه السلام؟ وإذا لم يكن، فقد حرنا في فهم هؤلاء، فمرة يقولون: صُلِب عيسى عليه السلام، فكيف لمن صلب قبل مولد نبينا صلى الله عليه وسلم بأكثر من خمسمائة سنة أن يقول بعده بأكثر من ألف سنة ما يتحداه به، وإذا كان فمن الذي أخذ عن عيسى عليه السلام هذا الكلام؟ وكيف لنبىّ من أولى العزم من الرسل أن يتحدى نبيًّا مثله تمنّى أن يكون من أتباعه؟!

 

(4) لم يَعُدْ خافيًا الآن أن المحاولات التي حاولت أن تأتى بمثل القرآن ساذجة وليست من المعارضة في شيء؛ لأن المعارضة أن تعمد إلى معنى من المعاني فتؤديه نفسه بأسلوب آخر يوازى الأصل في بلاغته أو يزيد، ومن يحاول ذلك في القرآن؛ فإن ذلك محالٌ والتجربة أصدق شاهد وخير برهان

 

(5) النبأ العظيم، نظرات جديدة فى القرآن، د. محمد عبد الله دراز، ص81 ـ 85.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى