شبهات حول الإسلام

لا إكراه في الدين


قال تعالى : {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} البقرة : 256

إذن هي الحرية الدينية لغير المسلمين في ظل دولة الإسلام .

فقد أعطى الإسلام الحرية للناس في عقائدهم إذا خضعوا لحكم الإسلام ما لم يكن وثنياً من جزيرة العرب ، فهذا لا حرية له ، وما عدا هذا فما عرف الناس مكاناً يأمنون فيه على دينهم غير أرض الإسلام . والدليل على ذلك واضح ، هو أنه حيث فتح المسلمون أرضاً فيها دين وجدت بقايا أهل هذا الدين موجودين ، ولو أن المسلمين كانوا يكرهون رعاياهم على اعتناق دينهم كما فعل غيرهم لما وجدت هذه الظاهرة . إنك لا تجد مثلاً مسلماً واحداً في أسبانيا مع أن المسلمين فيها كانوا ثلاثين مليوناً ، بينما تجد نصارى في بلاد الشام حتى الآن من بقايا النصارى الأولين ، وتجد يهوداً ، ولا يزال غير المسلمين هم الأكثرية في الهند مع أن المسلمين حكموها ثمان مائة سنة ، وهكذا تتكرر الظاهرة في كل مكان

لقد حاول مرة السلطان سليم الأول أن يأخذ أولاد النصارى ويربيهم على الإسلام ، فوقف أمامه علماء المسلمين معارضين ، وأعلنوا أن هذا لا يجوز فعدل عن فكرته .

ومن قرأ معاهدات المسلمين مع غيرهم من أبناء الأرض المفتوحة ، وجد سعد صدر المسلمين وتسامحهم ، وعلم أن دعوة الإسلام لم تسلك طريقها في القلوب إلا عن طريق الإقناع والمعاملة الحسنة ، والإيمان بالقيم العظيمة الموجودة في هذا الدين ، واقرأ نص المعاهدة التي كتبت بين نصارى الشام وبين عمر تجد هذا المعنى واضحاً وهذا نص المعاهدة :

” بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أماناً لأنفسهم وكنائسهم وصلبانهم ، وسقيمها وبرها ، وسائر ملتها أنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقض منها ولا من صلبانهم ولا شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ، ولا يسكن إيلياء أحد من اليهود . وعلى أهل إيلياء أن يعطوا أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على إيلياء من الجزية ، ومن أحب إيلياء من الجزية ، ومن أحب من إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وعلى صليبهم حتى يبلغوا مأمنهم ، ومن كان فيها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ، ومن شاء رجع إلى أرضه ، وأنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية ، شهد على ذلك من الصحابة – رضي الله عنهم – خالد بن الوليد – رضي الله عنه – وعمرو بن العاص – رضي الله عنه – وعبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – ومعاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – ” . ومن قرأ شهادة السكان غير المسلمين رأى مصداق ذلك .

يقول البطريرك ( عيشو يايه ) عام 656 هجرية :

” إن العرب الذين مكنه الزمن من السيطرة على العالم يعاملوننا بعدالة كما تعرفون ” .

ويقول مكاريوس بطريك إنطاكية : ” أدام الله بناء دولة الترك خالدة إلى الأبد . فهم يأخذون ما فرضوه من جزية ولا شأن لهم بالأديان سواء أكان رعاياهم مسيحيين ، أم ناصريين يهوداً أو سامرة ” .

ويقول أرنولد : حتى إيطاليا كان فيها قوم يتطلعون بشوق عظيم إلى التركي لعلهم يحظون كما حظي رعاياهم من قبل بالحرية والتسامح اللذين يئسوا من التمتع بها في ظل أي حكومة مسيحية .

ويقول : وحدث أن هرب اليهود الأسبانييون المضطهدون في جموع هائلة فلم يلجأوا إلا إلى تركيا في نهاية القرن الخامس عشر .

ويقول ريتشارد سيبر من أبناء القرن السادس عشر : وعلى الرغم من أن الأتراك بوجه عام شعب من أشرس الشعوب … سمحوا للمسيحيين جميعاً للإغريق منهم واللاتين أن يعيشوا محافظين على دينهم ، وأن يصرفوا ضمائرهم كيف شاؤوا بأن منحوهم كنائسهم لأداء شعائرهم المقدسة في القسطنطينية وفي أماكن أخرى كثيرة جداً ، على حين أستطيع أن أؤكد بحق بدليل اثنتي عشرة عاماً قضيتها في أسبانيا أننا لا نرغم على مشاهدة حفلاتهم البابوية فحسب بل إننا في خطر على حياتنا وسلفنا ” .

وحتى الجزية التي هي من جانب رمز للخضوع لسلطان الإسلام ، هي من جانب آخر رمز على الحرية الدينية ، فالجزية من هذا الجانب تفرض على رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين ، في مقابل حمايتهم وعدم مشاركتهم في الحروب ، وفي ذلك منتهى العدل إذ القتال في الإسلام قتال عقدي فالمسلم الذي يقاتل إنما يقاتل بوحي من إسلامه وعقيدته ، وفي سبيل ربه ودينه . فلو أننا طالبنا رعايانا من غير المسلمين أن يقاتلوا معنا فكأننا في هذه الحالة نجبرهم على القتال من أجل عقيدة لا يؤمنون بها ، وذلك منتهى الظلم ، وخاصة إذا كان القتال ضد أبناء دينهم أنفسهم . فالجزية إذن من هذا الجانب لصالح هؤلاء الرعايا ، وجزء متمم لحريتهم ، بدليل أنه حدث في التاريخ الإسلامي أن ناساً من غير المسلمين شاركوا في جيوش المسلمين فأسقط عنهم المسلمون الجزية .

وحتى العقوبة الصارمة التي فرضها الإسلام على المرتدين عن الإسلام وهي القتل ، هذه العقوبة لصالح الأقليات غير الإسلامية في الأرض الإسلامية من جانب . إذ غير المسلم عندما يعلم أن الدخول في الإسلام باختياره ، ولكنه وإذا دخل وخرج فجزاؤه القتل ، فذلك يجعله يفكر كثيراً قبل اعتناقه الإسلام فيقدم عليه بعد دراسة طويلة واقتناع كامل .

قارن هذه الحرية المعطاه لغير المسلمين في الأرض الإسلامية ، في عقائدهم ودياناتهم ، بما يفعل الآخرون حديثاً وقديماً من إجبار الإنسان على تغيير عقيدته ، أو قتله أو سجنه ، أو تعذيبه أو اضطهاده ، أو فرض فكر معين عليه يعتنقه ويتبناه ، أو عدم السماح له بدراسة دينه وعقيدته ، أو يحال بينه وبين من يمك أن يلقنه دينه ، وتجد في ذلك مآسي وحوادث تثير شجن الإنسان . لكن لو درست التاريخ الإسلامي . فإنك لا تجد حادثة واحدة شبيهة بهذا وهذه أمثلة على أعمال غير المسلمين :

يذكر صاحب كتاب كشف الآثار في قصص أنبياء بني إسرائيل وهو كتاب مؤلفه نصراني :

1 – أمر الإمبراطور قسطنطين بقطع آذان اليهود وإجلائهم إلى أقاليم مختلفة ، ثم أمر إمبراطور الروم في القرن الخامس أن يخرج اليهود من الإسكندرية التي كانت مأمنهم .. وأمر بهدم كنائسهم . ومنع عبادتهم وعدم قبول شهادتهم ، وعدم نفاذ الوصية إن أوصى أحد منهم لأحد في ماله ، ولما احتجوا على ذلك نهب جميع أموالهم وقتل كثيراً ( صفحة 27 ) .

2 – إن يهود بلدة أنطيوح لما أسروا بعدما صاروا مغلوبين ، قطع أعضاء البعض وقتل البعض ، وأجلى الباقين كلهم ، وظلم الإمبراطور الروماني اليهود الموجودين في المملكة كلها ، وأجلاهم وهيج الدول الأخرى على هذه المعاملة فتحملوا بذلك الظلم من آسيا إلى أقصى حد في أوربا . ثم بعد مدة كلفوا في أسبانيا أن يقبلوا شرطاً من شروط ثلاثة . أن يقبلوا المسيحية ، فإن أبوا عن قبولها يكونون محبوسين , وإن أبوا عن كليهما يجلون من أوطانهم ومثل ذلك حدث في فرنسا ( ص 29 ) .

3 – ومن القوانين التي أصدرها الكاثوليكيون . ولا يجوز الأكل مع اليهودي ويجب نزع أولادهم منهم لتربيتهم تربية مسيحية ( ص 29 ) .

4 – وقد ثبت تاريخياً أن اليهود أجلوا من فرنسا سبع مرات ( ص 30 – 31 ) .

5 – وحدث لهم في النمسا وأسبانيا وبريطانيا من القتل والطر والإكراه الكثير ، وقد أجلى إدوارد الأول ملك بريطانيا أكثر من خمسة عشر ألفاً من اليهود بعد أن نهب أموالهم ( ص 32 ) .

ويذكر توماس نيوتن في كتابه عن نبوءات الكتب المقدسة أن النصارى عندما فتحوا بيت المقدس في الحروب الصليبية قتلوا أكثر من سبعين ألفاً من المسلمين .

ونقول : إن المسلمين عندما استردوا المدينة بعد زمن طويل لم يقتلوا إنساناً واحداً بعد الفتح .

وأصدر الملك لويس الحادي عشر سنة 1724 قانوناً يقول فيه : إن الكاثوليكية وحدها مأذون بها وأما أصحاب الديانات الأخرى فجزاؤهم الأشغال المؤبدة ، وكل واعظ يدعو إلى ملة غير الكاثوليكية جزاؤه الموت .

وقتل في فرنسا في مذبحة واحدة وهي الشهيرة بمذبحة بروتولماوس واحد وثلاثون ألفاً من البروتستانت .

وقتلت محاكم التفتيش حرقاً بالنار حوالي مائتين وثلاثين ألفاً ، والذين قتلوا بالسيف وبآلات التعذيب خلق كثير هذا من غير المسلمين ، أما المسلمون فقد ذكرنا أنه لم يبق في أسبانيا من الثلاثين مليوناً من المسلمين مسلم واحد ، كلهم غدر بهم فمن قتيل أو طريد أو مكروه على تغيير دينه .

إن إعطاء الإنسان الحرية الكاملة في أمر اختياره عقيدته وعدم إجباره على تغيير دينه بأي واسطة من وسائط الإكراه ، ثمرة من ثمار محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ما كانت لتكون لولا الوحي . إن العرب هذا الشعب القاسي ، كان يمكن أن يمثل في حال النصر الدور الذي مثله التتار من بعد . قتل جماعي ، ومحو للحضارة ، ولكن العرب على العكس من ذلك . مثلوا على مسرح التاريخ أروع أمثلة الرحمة والتسامح مع الشعوب المغلوبة ، وهذا ليس من أخلاقهم في الأصل لولا دعوة الله ودين الله ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

بل إن عملية الجهاد المستمر ، والتضحيات الكثيرة التي بذلت فيه من أجل إخضاع العالم لسلطان الله ، مع إعطاء الفرد الحرية في البقاء على دينه أو الانتقال منه إلى الإسلام دين الله الحق بالاقتناع الكامل دليل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله .

فالذين يتصورون أن مقام النبوة يتنافى مع الحرب العادلة ، تصوراتهم معكوسة تماماً . إن حرب الأنبياء وحدها هي المعقولة في العالم ، إذ إن الحياة البشرية لا تستقيم إلا على قانون الله وشريعته . فما لم يكن العالم خاضعاً لسلطان الله ، فإن العالم تمزقه بمن فيه وقتذاك أهواء البشر ، أما إذا خضع لسلطان الله المتمثل في عباده المستقيمين الصالحين ، وشريعة الله ، فإن في ذلك صلاحه وكما قدمنا فلا يعني إخضاع البشر لسلطان الله إجبارهم على الدخول في دين الله .

والذين ينكرون على رسول الله الجهاد في سبيل الله إما ملحدون : وهؤلاء أصغر من أن يرد عليهم لأن القتل والخراب الذي يحدث على أيديهم بغير حق يندى له جبين الوحوش . فقد قتلت روسيا من رعاياها من أجل إقامة الحكم الشيوعي تسعة عشر مليوناً . وإما أهل دين : كاليهود والنصارى وهؤلاء يناقضون أنفسهم فإن في التوراة التي يؤمن بها جميعهم نصوصاً كثيرة تدل على أن الأنبياء جاهدوا في سبيل الله ، وفي الإنجيل وكتب العهد الجديد ما يدل على أن الأنبياء يحاربون وهذه شواهد .

1 – مذكور في كتاب المشاهدات الباب ( 19 ) والرسالة الثانية الباب الثاني لأهل تسالونيق وهما كتابان نصرانيان . أن عيسى عليه السلام سيقتل الدجال وعسكره بعد نزوله . أي قرب قيام الساعة وهذه عقيدة المسلمين أيضاً .

2 – وفي سفر التثنية( 10 ) وإذا دنوت من قرية لتقاتلهم ادعهم أولاً إلى الصلح فإن قبلت وفتحت لك الأبواب فكل الشعب الذي بها يخلص ويكونون لك عبيداً يعطونك الجزية ، وإن لم ترد تعمل معك عهداً وبدأت بالقتال معك فقاتلها أنت ، وإذا سلمها الرب إلهك بيدك اقتل جميع من بها من جنس الذكر بحد السيف دون النساء والأطفال والدواب وما كان في القرية غيرهم واقسم للمعسكر الغنيمة بأسرها . وكُل من سَلبِ أعدائك الذي يعطيك الرب إلهك . وهكذا فافعل بكل القرى البعيدة منك جداً . فأما القرى التي تعطى أنت إياها فلا تستحي منها نفساً البتة ولكن أهلكهم هلاكاً كلهم بحد السيف . الحيثي والآموري والكنعاني والفرزي والحوابي والبابوسي كما أوصاك الرب إلهك .

3 – وفي الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا ( 29 ) فجمع داود الشعب وسار إلى راية فحارب أهلها وفتحها وأخذ تاج ملكهم على رأسه .

والنصوص عندهم في هذا كثيرة تجدها في سفر الخروج الباب الثالث الفقرة ( 43 ) وفي الباب الرابع والثلاثين منه ( 10 ) وفي سفر العدد الباب الثالث والثلاثين وفي سفر صموئيل الأول الباب السابع والعشرون ( 8 ) وفي سفر الملوك الباب الثامن ( 20 ) وغيرها وغيرها كثير يقول بولس المقدس عند النصارى في الرسالة العبرانية الباب الحادي عشر فقرة ( 32 ) : وماذا أقول أيضاً لأنه يعوزني الوقت أن أحدث عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا براً نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود أطفئوا النار ، نجو من حد السيف تقووا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء .

وأخيراً الجهاد في سبيل الله ثمرة من ثمار النبوة ، وعدم إكراه الناس على الدخول في الإسلام ثمرة أخرى ، وكلتاهما تشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذه الثمار كلها غيض من فيض وإلا فإن ثمار النبوة كثيرة تعجز الإنسان عن الإحصاء . وحيثما نظرت في الإسلام دلّك الإسلام على أنه دين الله رب العالمين ، وأن محمداً رسول هذا الإله العظيم وأنه المبلغ عنه .

– سعيد حوى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى