حقيقة الإسلام

من صفات الدين الحق أنه من عند الخالق ويدعو إلى عبادته وحده

الذي خلقنا هو وحده الذي يستحق منا أن ندين له ونعبده. فليس من العدل ولا من العقل أن يعبد الإنسان من لم يخلقه، ويترك عبادة من خلقه؟! ولذلك، فإن أوّل صفات الدين الحق أن يكون منزّلًا من عند الخالق عزّ وجل على رسول من رسله ليبلغه إلى الناس، وأن يدعو هذا الدين إلى إفراد الخالق بالعبادة، ويحرّم الشرك به، لأن الدين الحق هو دين اللَّه الخالق الأوحد سبحانه لا شريك له، وهو وحده الذي يدين ويحاسب الخلائق يوم القيامة على الدين الذي أنزله عليهم. وبناء على ذلك، فأي دين يأتي به شخص ما وينسبه إلى نفسه، فهو دين باطل لا محالة؛ وأي دين يدعو إلى عبادة غير الخالق سبحانه، فهو دين باطل، ولو انتسب أصحابه إلى نبي من الأنبياء .

ولو تأمّلت هذه الصفة بصدق وتجرّد فلن تجدها تنطبق على دين من الأديان سوى دين الإسلام وحده، والإسلام هو الدين الوحيد الذي يدعو أتباعه إلى عبادة الخالق وحده دون شريك، وإلى الإيمان بكماله المطلق سبحانه وتعالى، حيث يقول الخالق سبحانه في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ (21) البقرة. فهذا نداء مباشر من الخالق للبشر جميعًا: أن اعبدوا الذي خلقكم، وخلق أسلافكم، وأوجدكم جميعًا من العدم، وهو الحي بنفسه، وهو الذي يهب الحياة لغيره، فكيف تتركون عبادة الحي الذي لا يموت وتعبدون أمواتًا لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا؟! وهذا استفهام استنكاري من الخالق سبحانه وتعالى في القرآن: كَيْفَ تَكْفُرُوْنَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيْتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيْكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ (28) البقرة. كيف تكفرون باللَّه وهو الذي خلقكم، وهو الذي سوف يميتكم، وهو الذي سوف يحييكم مرّة أخرى ليحاسبكم على أفعالكم؟! وكيف تتركون عبادته وتعبدون من دونه بشرًا أمثالكم كانوا أمواتًا فأحياهم اللَّه سبحانه وتعالى في بطون أمهاتهم ثم أخرجهم لهذه الدنيا من مجرى البول، ثم يموتون بعد ذلك ويُقبَرون في داخل الأرض؟!

 

ثانيًا: الدين الحق هو الدين الداعي إلى توحيد الخالق

إن أي دين يدعو إلى عبادة غير الخالق سبحانه، أو يشرك في عبادته غيره، فهو دين باطل ولو انتسب أصحابه إلى نبي من الأنبياء، فالذي خلقك هو وحده الذي يستحق منك أن تدين له وتعبده ولا تشرك في عبادته أحدًا غيره. والدين الحق هو الذي يدعو إلى إفراد الخالق سبحانه بالعبادة وبما يختص به من صفات الكمال والجلال. وهذا هو ملخص دعوة جميع الرسل الذين أرسلهم اللّه إلى عباده من لدن آدم –عليه السلام- إلى خاتمهم مُحمَّد –صلّى اللَّه عليه وسلّم- فجميعهم دعوا إلى توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ في القرآن: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُوْلٍ إِلَّا نُوْحِيْ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُوْنِ (25) الأنبياء. وكما ترى، فقد جاءت هذه الآية في سورة الأنبياء، واتخذت الرقم 25 لأن الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن عددهم 25 نبيًّا. وبما أن هذه الآية تدعو إلى توحيد اللَّه وإفراده بالعبادة، فقد جاء عدد حروفها 53 حرفًا لأن أحرف اسم اللَّه الثلاثة (الألف واللام والهاء) تكرّرت في أولى سور القرآن وهي الفاتحة 53 مرّة، أما عدد كلمات هذه الآية فهو 15 كلمة، بما يعادل عدد كلمات سورة الإخلاص، وهي السورة التي تصف الواحد الأحد سبحانه، وهي على قصرها تشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة: الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فتأمّل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) الإخلاص.

وإذا تأمّلت في الديانات التي يدين بها العالم اليوم، على كثرتها وتنوعها، فلن تجد دينًا يدعو إلى إفراد الخالق سبحانه بالعبادة، ويَنْهى عن الشرك به، إلا دين الإسلام وحده. فجميع الديانات من دون استثناء منغمسه في الشرك، بما في ذلك الديانات المحرّفة التي ينتمي أصحابها إلى نبي من الأنبياء، فهم يعبدون المخلوق ويعظّمونه، أو يصرفون له نوعًا من خصائص الربوبية، أو يجعلون للَّه شريكًا في ملكه أو في أسمائه وصفاته. وإذا تأمّل أصحاب هذه الديانات والعقائد، فإن الشرك بكل صوره ومظاهره ليس إلا امتهانًا للإنسان وإذلالًا له، حيث يلزمه العبودية لمخلوقات وأناس مثله لا يخلقون شيئا وهم يُخلَقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وفي الإيمان باللَّه وتوحيده عزٌّ للإنسان وصونٌ لكرامته.

وعلى سبيل المثال، فإنك إذا تأمّلت جوهر العقيدة المسيحية تجد أن ألوهية المسيح والثالوث الأقدس هو الركن الأهم في عقائد المسيحيين، وفي اعتقادهم أن المسيح هو اللَّه وهو ابن اللَّه، وأنهم ثلاثة شركاء (الآب – الابن – الروح القدس). ولعلكم تسمعون هذه العبارة من المسيحيين كثيرًا: باسم الأب والابن والروح القدس الإله الواحد. فهذه هي كلمة الافتتاح والبسملة عند المسيحيين، وهم يقولون إن الأب إله والابن إله والروح القدس إله ولكنهم ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد! الأب هو العظيم والابن هو العظيم، والروح القدس هو العظيم، ولكنهم ليسوا ثلاثة عظماء بل العظيم الواحد! الأب شخص، والابن شخص، والروح القدس شخص، ولكنهم ليسوا ثلاثة أشخاص، بل هو شخص واحد! إله وإله وإله، ولكنهم ليسوا ثلاثة، وإنما إله واحد! عظيم وعظيم وعظيم، ولكنهم ليسوا ثلاثة، وإنما عظيم واحد! شخص وشخص وشخص، ولكنهم ليسوا ثلاثة، وإنما شخص واحد! وهكذا فإن مفهوم عقيدة التثليث غير واضح بالنسبة إلى المسيحيين أنفسهم!

فهناك إله واحد في ثالوث، وثالوث في إله واحد! ولدى كل شخص يؤمن بالديانة المسيحية ثلاث صور ذهنية مختلفة عن الإله! وعندما تحاورهم يقولون: إن هذه الصور الثلاث متطابقة وإنهم لا يرون إلا صورة واحدة! وعلى منوال هذا المنطق، دعوني أقل لكم إن: 1 + 1 + 1 = 1، فهل تقبلون ذلك مني؟ بكل تأكيد لن يقبل ذلك أحد! ولكن مع الأسف هذا هو المنطق الذي يحاول المسيحيون إقناع الناس به!

إذا كان النصارى يعتقدون في ألوهية المسيح عيسى ابن مريم -عليه وعلى أمه السلام- لأنه وُلد من غير أب، فما هو اعتقادهم في آدم – عليه السلام-، وهو الذي وُلد من غير أب ومن غير أم؟! وما هو اعتقادهم في حواء التي ولدت من غير أم؟! كيف يعتقدون ألوهية المسيح وفي الوقت نفسه يعتقدون أنه أُهين وعُذّب ولُطم على وجهه وقُتل وصُلِب! لأن هذا الاعتقاد يعني ضمنيًّا أن الذي أهانه وعذّبه وقتله وصلبه أقوى منه! كيف يعتقدون في إله لا يستطيع أن يحمي نفسه من شرور أعدائه؟! لا أحد من النصارى يستطيع أن يجيبك عن ذلك، لأن الذين كتبوا الأناجيل تعمّدوا استعمال الاستعارات! فهم يَتكلّمونَ ويَكْتبونَ بلغة مجازية غامضة، تحتمل العديد من الوجوه، ولذلك لا يجد عامة الناس من أتباعهم سبيلًا غير التقليد الأعمى والاستسلام للواقع، من دون أن يجدوا إجابات شافية عن العديد من التساؤلات التي تدور في خلجات نفوسهم.

إن عقيدة التثليث أو الثالوث من أكثر العقائد خلطًا وتعقيدًا عند النصارى، فتأمّل الآية الآتية من القرآن والتي تفنِّد عقيدتهم، وتزجرهم بأن ينتهوا عن الاعتقاد والقول بالثالوث: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوْا فِيْ دِيْنِكُمْ وَلَا تَقُوْلُوْا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيْحُ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُوْلُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوْحٌ مِنْهُ فَآمِنُوْا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُوْلُوْا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوْا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِيْ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيْ الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيْلًا (171) النساء.

إن النصرانية، كغيرها من الديانات الشركية الأخرى، اشتملت على أنواع من الشرك، كما أن كتابهم المقدس ومصنّفاتهم ومواقعهم قد حفلت بالشرك وأقرته وذكرت أدلته، واعتبرته من صميم العقيدة النصرانية، لكنها لا تعده شركًا وإنما تسميه توحيدًا، فالتثليث وادعاء بنوة المسيح للَّه رب العالمين، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون اللَّه، يعدون كل ذلك توحيدًا، وليس شركًا، وهذا ما لا يقبله المنطق القويم ولا العقل السليم.

 المصدر :طريق القرآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى